في الأكشاك هذا الأسبوع

مراكش العملاقة تتعرض للتقزيم

          يستبد بي القلق في الكثير من المرات، يلبسني الغضب القاتل أحايين، خاصة عندما تطرق أسماعي سواء من هذه الجهة أو تلك كلمة جائرة بعض الشيء، هي أن مراكش الغالية الرائعة مدينة سياحية فقط، ولا شيء غير السياحة، لا أرتاح إلى ذلك التصنيف القائم على الجهل بقيمة المدينة وشموخها وعظمتها التي ألهمت الشعراء وأسرت قلوب الكتاب وأخذت بعقول الفنانين والمبدعين، ولا أطمئن إليه (لأنه ملغوم)، رغم أنني أعرف جيدا أن السياحة النظيفة إن صح التعبير “التي لا تتحدث الألسن ببشاعتها ولا تحوم حول فنادقها ودورها شبهات” تعتبر أي السياحة من أهم ركائز الاقتصاد في كل بلدان المعمور خاصة منها تلك التي لا تتوفر لها إمكانات أخرى في قطاعات الصناعة والفلاحة وغيرهما، لا يريحني ما يقولون عن المدينة الطاهرة الموشومة في ذاكرة كل المغاربة سواء في الداخل أو الخارج كرمز للتاريخ والحضارة والأمجاد، ولا ما يوجهون إليها من اتهام “من تحتها” بسبب السياحة “اللي ما دارت والو مسكينة”، تلك السياحة التي جردوها من أهدافها وأفرغوها من مضامينها، وجعلوا لها مرادفات على “قد الفهم والربح أيضا”، مفردات وشروحا تخدم مصالحهم، وتزيد من مداخيلهم على حساب القطاع والدولة والكرامة، هذه الأخيرة التي كان المغربي ولا يزال يعيش عليها ويموت من أجلها، ويحز في نفسي كما يحز في نفس كل أبناء وبنات المدينة قيام البعض بتقزيم مدينة عملاقة بأسوارها ومعالمها وأوليائها الذين يحرسونها وجبالها الشامخة التي ترعاها واختزالها في ساحة اختفت منها معالم البهجة وصناعة الفرجة وتعويض كل ذلك بكراسٍ متحركة وأخرى راكدة أضحى وجودها يثير الشكوك بعد أن تمكنت الشرطة من العثور على حجج بأيدي المسيئين للساحة، وتأخذني الدهشة من تعليب الرجل المراكشي المرح ذي الروح الخفيفة والنكتة اللاذعة، واختصار قامته “البهجوية” وثقافته الشعبية في “تعواج الفم” كما قلت سابقا، وترديد بعض الكلمات المراكشية إن صح التعبير، واستعمالها في غير سياقها ودون فهم للمقصود منها، في جعل تام غلى أن السر في المراكشي وليس في الكلمة.

إن الذين يصرون على أن مراكش الحمراء هي فضاء سياحي فقط، ويتدافعون لنصرة المقولة أو الوصف بخلفية غامضة وملتبسة يجهلون كل شيء عن المدينة الباسمة التي لا تنفك تفتح ذراعيها للوافد المتيم الذي يدخلها بسلام بعد زيارة الأولياء السبعة، ولا يعرفون ولو اليسير عن أناسها الظرفاء ذوي الأخلاق العالية والجود الكبير، والذين يدركون القليل من كثيرها عن طريق الزيارات الخاطفة والتي لا تستمر إلا يوما وليلة حمراء في إحدى الدور المفروشة، يفيضون في مدح السياحة الحرة ويطنبون في الكلام عن الملاهي والمراقص التي توفر “الحرية الكاملة” للقاصرات “في خرق ساخر للقوانين وللاإنسانية”، رغم جهود السلطة المحلية وحزم الوالي الذي أولى للقضية اهتماما لا يفوقه إلا اهتمامه بالمشروع الجديد الذي يهم حي السلام “الملاح”، والذي خصص له مبلغ مالي ضخم يفرض مراقبة وتتبعا حتى لا تمتد إليه آليات النهب.

والذين يتغنون بوهم السياحة ويروجون لها بكل الوسائل يشحذون السكاكين لضرب المدينة ونحرها، ويفتحون أبواب الإساءة إليها ووضعها في مكان غير لائق بها، يستغله البعض لجعلها عاصمة الدعارة والجنس سواء الراقي أو الرخيص، رغم أن الإحصائيات المضبوطة لدى المعنيين بالأمر تحصر أعداد المشبوهات والمنحرفات اللواتي يتعاطين لتلك “المهنة القديمة” في رقم صفر “0” بالنسبة لبنات مراكش العفيفات والحافظات لكرامتهن وسمعتهن وشرفهن، وترفع تلك الأرقام بالنسبة للغربيات اللواتي ينحدرن من جهات أخرى بسبب العوز والحاجة وانعدام فرص الشغل، ونتيجة وجود وسائل الإغراء والدعاية “الخايبة” وسهولة العثور على أماكن الإيواء البسيط والمحروس، إذ في حي بمنطقة جيليز، وفي جزء من شارع ضيق نبتت في زمان قياسي أربع عمارات “لأجانب عن مراكش”، ثلاثة منها تستغل في الخدمات الجنسية، وتسهيل الجلسات السريعة سواء بالليل أو بالنهار، وإعداد وسائل النشاط عن طريق مقهى تتحول إلى مرقص، انطلاقا من منتصف الليل، دون احترام لراحة السكان المقيمين بجانبها ولا لمعاناتهم مع تعب النهار ومشاكله.

إن كان من شيء واضح للعيان فهو أن مدينة سبعة رجال ليست سياحية بمفهوم الميوعة، ولم تكن في يوم من الأيام كذلك، بل هي مدينة مشهورة بطبيعتها الخلابة وصناعتها التقليدية وحضارتها المتجذرة وتاريخها الشاهد على عظمتها وعظمة رجالها الذين شيدوا وبنوا المآثر والمآذن والصهاريج والبساتين، مدينة معروفة بمكانتها العالية وإشعاعها العلمي وديناميتها الثقافية رغم انعدام الإمكانات وقلة الفضاءات التي كانت تحضن الطلبة والشعراء وكتاب الكلمات وتهييء الأجواء للإبداع والخلق وتسطير المؤلفات والكتابات الجيدة، وهي كلها أشياء نسجت لها مزية كبيرة، حفزت الكثيرين من الكبار على احتضان بعض أمكنتها لتكون تراثا إنسانيا وإرثا بشريا لا يسمح إلا باستغلاله في قراءة الماضي وربطه بالحاضر بعيدا عن المزايدات، قريبا من الذكريات التي تعود بنا إلى الأمس فقط عندما كانت عاصمة المرابطين متناسقة متكاملة يدعم جمالها سحر لا يضاهي، مستقر بالفعل والقوة والوطنية الخالصة، في كل الأمكنة والأضرحة والزوايا التي إذا دخلها مكتئب خرج وكأنه دفن رفات حزنه وكآبته بالقرب من معالمها وآثارها التي مازالت تمتح بالعز والترشح بالأمجاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!