في الأكشاك هذا الأسبوع

الحسن الثاني كان يفضل الهجوم على البوليساريو في الجزائر بدل حرب العصابات

التقديم:

                قد يتساءل البعض حول الأهمية من استعراض وقائع وأحداث من الماضي، ويقول ما الجدوى من كتابة تاريخ أمريكا مع قضية الصحراء في تلك المرحلة التي مرت عليها أربعة عقود كاملة. وقد يقول البعض، نحن في الحاضر ولماذا نعود إلى الماضي، والعالم الآن لا يستند إلى التاريخ، وإنما للمصالح؟

ونقول في هذا الصدد إن قراءة وإعادة قراءة التاريخ له ضرورة وأهمية كبيرة، وخصوصا قضية الصحراء، ليس من حيث إثبات مغربية الصحراء على مدى التاريخ(..)، وإنما نحاول إعادة قراءة تاريخ هذه المرحلة لأغراض أخرى. فقد سبق وأن أشرنا إلى أن كثيرا من الديبلوماسيين المغاربة لا يعرفون تاريخ قضية الصحراء.

ونركز على موضوع أمريكا وقضية الصحراء في مرحلة 1973 – 1975 لأن لذلك معنى، ويعود السبب في ذلك إلى أن البوليساريو والجزائر حاولت منذ مطلع الألفية الثالثة التركيز على التحالف الأمريكي المغربي من أجل استعطاف أمريكا وجرها إلى صفهم.

ويبدو أن أعظم تجربة بشرية استغلت التاريخ هي تجربة الصهاينة، حينما روجوا للمحرقة التي تعرضوا لها على عهد هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل الضغط على دول العالم من أجل الاعتراف بهم كدولة وكوطن، حيث ركزوا على هذا المعطى في الستينيات وتمكنوا من استقطاب ألمانيا الغربية لتعترف بهم بعدما جعلوا هذه الأخيرة تحس بالذنب لما تعرضوا له من اضطهاد على عهد هتلر، ومازالوا إلى الآن يلعبون على هذا الوتر الحساس.

ويبدو أن البوليساريو والجزائر حاولا الضغط على أمريكا في هذه المرحلة على شاكلة إسرائيل، وكأنما يريدا أن يقولا لها بأنها السبب لما يتعرض له كل من يقيم في الصحراء، وقد حان الوقت إذا لكي تقوم أمريكا بمساعدة البوليساريو والتخلي عن المغرب.

———————

 

نحاول من خلال قراءة للوثيقة استعراض فحوى اجتماع دار بين الحسن الثاني في فاتح مارس 1976 ومبعوث وزير الخارجية الأمريكي “أثورتون ألفريد”. وقد أعد التقرير حول هذا الاجتماع السفير الأمريكي بالرباط، وأرسله يوم 2 مارس 1976 إلى وزارة الخارجية الأمريكية. ونود من خلا هذه الوثيقة كشف نظرة الحسن الثاني وأمريكا لمستقبل الصحراء والصراع حولها، ونود كذلك أن نظهر أن الحسن الثاني كان يطالب أمريكا بأن تقف إلى جانبه، وكان موقف مسؤوليها هو أنها اختارت موقف الحياد اتجاه الأطراف المتصارعة، لنثبت لمن يقول بأن أمريكا ساعدت المغرب على استرجاع صحرائه بأن قوله باطل وهذا هو البرهان.

 

قلق الحسن الثاني على المستقبل البعيد للصحراء

 

كان هذا الاجتماع بالقصر الملكي بفاس، وقد أقام الملك حفل عشاء عمل على شرف مبعوث وزير الخارجية، ودار هذا الاجتماع لمدة ساعتين ونصف، وكان الموضوع منصبا حول سياسة الملك في قضية الصحراء، والسياسة التي يريد الملك اتباعها. وقد أكد هذا الأخير عزمه على مواصلة سياسيته في الصحراء، حيث إنه سجل بارتياح النجاح الذي تحقق حتى تلك اللحظة بخصوص تلك القضية، وقد أعرب عن قلقه بشكل واضح بخصوص تطور القضية على المدى البعيد حيث قال إن الأحداث تصاعدت إلى درجة خطيرة.

ويشير السفير الأمريكي إلى أن خطأ الحسن الثاني كما أكد هو بنفسه خلال هذا اللقاء أنه قام بكل شيء منطقي، وأنه ارتكب خطأ واحدا فقط، وهو أنه نسي أن المغرب يقع جغرافيا في إفريقيا، حيث لا تسير الأمور وفق المنطق(..). وقد أكد الملك خلال هذا اللقاء أنه لن يقبل حرب عصابات طويلة تتحول إلى حرب استنزاف، وإذا حدث ضغط عليه في اتجاه جر الأمر لحرب عصابات فإنه أكد وبصريح العبارة أنه سيهاجم قواعد البوليساريو داخل الأراضي الجزائرية، لأن قواعدها موجودة فوق التراب الجزائري.

كما أكد أن هدفه المباشر هو تعزيز الدعم الديبلوماسي للمغرب في هذه القضية، ومنع الالتحام والدعم حول الجزائر خصوصا في العالم الثالث. كما أنه جد متفائل ومتشجع لدرجة كبيرة بضمانات السوفيات الذين يريدون تجنب الدخول في مواجهات وتشنجات داخل شمال إفريقيا. وكذلك حث السوفيات على اتباع نهج أمريكا لحملهم على إقناع أصدقائهم في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية للتوقف عن دعمهم للجزائر.

 

محاولات إقناع أمريكا

 

أما بخصوص علاقة أمريكا بهذه القضية، فقد أعرب الملك عن تقديره لموقف أمريكا التي اختارت الحياد، كما أنه أظهر تفهما اتجاهها حول أسباب تجنب التورط المباشر في هذه القضية. وفي الوقت نفسه حث الحكومة الأمريكية على عدم تفويت الفرصة للمساعدة غير المباشرة لتحقيق حل للأزمة، والتي من شأنها تمكين الولايات المتحدة من إنشاء موقع استراتيجي قوي يستند إلى المغرب. كما أعرب الملك لمحاوره أن مستقبل الموقف الأمريكي في إسبانيا والبرتغال هو مشكلة لأمريكا، وعلى أمريكا أن تفكر في جعل المغرب هو المستقبل.

وردا على سؤال عما إذا كانت لديه أي أفكار أخرى حول حل سياسي أنيق كالذي كان قد تحدث عنه في أكتوبر 1975، فقد أكد أنه سيستمر في البحث عن حل سلمي من شأنه تمكين بومدين من حفظ ماء وجهه طالما أنه لم يشكك في مغربية الصحراء، مؤكدا أنه لن يغلق الباب أمام أي حوار لكي لا يبدو المغرب وكأنه دولة معتدية كما أنه لن يفعل شيئا يحرج أمريكا.

ويشير المحاور إلى أن انطباعه العام عن الملك الحسن الثاني في تلك المرحلة هو أنه يشعر بنفسه في موقف قوة سياسيا وعسكريا ومسرور عموما، ومع ذلك فإنه لا يرى طريقة لحل المشكل مع بومدين. كما يبدو أن الملك أقل ثقة بشأن قدرته على الحفاظ على المكاسب التي حققها محليا، وعلى الصعيد الدولي على المدى الطويل.

فرضية الدخول في حرب مع الجزائر

 

وقد قدم الملك خلال هذا الاجتماع الخطوط العريضة لما ستكون عليه الوضعية في المستقبل، حيث أكد أن هذا الكيان الجديد سيتم الاعتراف به من قبل عدد قليل من الدول، على الرغم من أنه لا توجد له أرض، كما أشار إلى أن دول مثل الفيتنام وكوريا الشمالية ستدعمه بالسلاح.

كما أشار إلى أن الملك لديه الأدلة على أن بنادق أمريكية الصنع يتم استيرادها من الفيتنام عبر كوريا الشمالية التي ترسلها إلى الجزائر، تقوم هذه الأخيرة بتسليمها للبوليساريو، كما أكد أن الأسلحة الثقيلة ستظهر في الصحراء. وأكد كذلك أنه بدلا من إدخال جيشه في حرب استنزاف طويلة الأمد فإن جيشه سيتحرك ضد قواعد البوليساريو داخل الجزائر، حيث لم يستبعد إمكانية الدخول في حرب ضدها.

وقد سئل خلال هذا الاجتماع عما إذا كان يعتقد أن مثل هذا التطور للأحداث حتميا، فأجاب بالسلب، فهو يعتقد أن الجزائريين ارتكبوا خطأ تكتيكيا لا رجعة فيه عن طريق تحويل المسألة إلى منظمة الوحدة الإفريقية ليصير الأمر من اعتراف بحركة إلى اعتراف بدولة جديدة(..).

وعلى الصعيد الدولي فقد أكد أنه حتى أمريكا يمكنها أن تلعب دورا هاما في القمة وليس في إفريقيا، حيث أشار إلى أن رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي قد أكد أن بلاده لا تريد مواجهة في شمال إفريقيا، وأن المسألة ينبغي تسويتها سياسيا. شدد على أن دور أمريكا يكمن في إقناع السوفيات بإقناع أصدقائهم في العالم الثالث لتوقيف دعمهم للجزائر.

 

ضباط إسبانيون يساريون هم من أنشأ البوليساريو لتوظيفها ضد فرانكو

 

ويشير السفير إلى أن الملك طور نظرية مهمة في هذا الاجتماع، وهو أن البوليساريو لم تنشئها الجزائر، بل أنشأها ضباط إسبانيون يساريون بهدف جعلها قاعدة للتحرك ضد نظام فرانكو في إسبانيا. كما اتهم الجزائر بالضغط على إسبانيا، بما في ذلك اقتراح استضافة مجموعة من المعارضين الإسبان المقيمين بالخارج.

ومع الاحترام لإسبانيا، فقد أعرب الملك عن تعاسته من الموقف الإسباني الجديد على مشروعية اقتسام الصحراء بين المغرب وموريتانيا، وقال إن إسبانيا يجب أن تحترم الاتفاق الثلاثي الذي يشمل تقديم امتيازات اقتصادية لإسبانيا، وأن إسبانيا إذا لم تلتزم بالاتفاق الثلاثي فإن المغرب لن يلتزم بهذه الامتيازات المقدمة للإسبان. وبعد العشاء طلب الملك من مبعوث وزير الخارجية الإسباني أن ينقل توجيهاته إلى وزير الخارجية الأمريكي، وقد قال له هذا الرجل بأن الوزير أرسله في هذه الرحلة بسبب تطور الأوضاع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والتي سوف تكون مهمة بكل من المغرب وأمريكا.

كما أشار المبعوث بخصوص قضية الصحراء أن نتائج الجهود المختلفة للتوسط في النزاع كانت مخيبة للآمال، كما أشار إلى أن أمريكا تخشى أنه إذا فشلت الجزائر والمغرب في تسوية خلافاتهما، فإن هذا سيخلق عدم الاستقرار في المنطقة والذي بدوره يمكن استغلاله من قبل السوفيات، والكوبيين، أو عناصر خارجية أخرى خدمة لمصالحهم الخارجية.

 

قراءة أمريكا للوضع

 

Mon image

مقتطف من وثيقة تعود للخارجية الأمريكية رفع عنها طابع السرية مؤخرا.. وتخص الاجتماع الذي دار بين الحسن الثاني و مبعوث وزير الخارجية الأمريكي “أترتون ألفريد” بالرباط

وقد أكد مبعوث وزير الخارجية أنه لم يأت للعب دور الوسيط أو الضغط على الأطراف المتنازعة من أجل حل معين، وأكد بأنه سوف لن يكون من المفيد بالنسبة لأمريكا المشاركة أو رعاية المفاوضات بين الأطراف المعنية والمهتمة، وأضاف بأن أمريكا تعتقد أنه ينبغي تسوية هذه المشكلة على أساس إقليمي أو في إطار الأمم المتحدة، وأنها ستواصل تقديم دعمها لجهود التسوية السياسية.

وبخصوص الطلب المغربي من أمريكا بخصوص تدخلها لمصلحة المغرب، فإنه أخبر الملك بأن الجزائر والعالم يعرف جيدا موقف أمريكا وهو الحياد، كما أنه أخبر بومدين أساس السياسة التي ستتبعها أمريكا في لقاء سابق. وأكد للملك بأنه قد أشار لبومدين على خطر انتهاج مسار المتشددين، ويعني البوليساريو أو أي خطوات لتدويل الصراع، كما أكد بأنه أشار صراحة إلى أن أمريكا تريد علاقة ودية مع الجزائر ولكن ليس على حساب العلاقة بالمغرب.

ويتساءل الرجل من إمكانية أن تصير الأمور إلى حرب بين البلدين، وهو ما قد يغير ميزان القوى، ويقضي على توازنها في إفريقيا، وقد دار هذا في محادثات بين كريم العمراني وزير الخارجية المغربي وكيسنجر في أمريكا، حيث أكدا أنه في حالة وجود حرب بين البلدين فإن الجزائر ستدخل السوفيات وكوبا في اللعبة. كما رأى أن من شأن هزيمة الجزائر في الصحراء سياسيا أن يجعلها تسعى إلى تعويض إخفاقها بالدخول في المعسكر القومي العربي، وتسعى بالتالي إلى التخلي عن الدعم في اتجاه التسوية في القضية العربية، وتقوم بتقارب مع ليبيا وهو ما تكون له أخطار.

وهكذا يبدو من خلال هذه الوثيقة أن أمريكا بقيت محايدة إلى ما بعد المسيرة الخضراء وأنها لم تتدخل لمصلحة المغرب، كما يتبين بأن نظرة الحسن الثاني وقلقه من مستقبل الصحراء، عندما رأى بأن الأمر في بدايته وليس في نهايته، كان كل ذلك صادقا والدليل على ذلك أن هذه القضية لم تحل إلى الآن.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!