في الأكشاك هذا الأسبوع
هشام المنظري الذي ادعى أنه ابن الحسن الثاني

الحـقــيقة الضــــائعة | خطر الانتقام النسوي في تاريخ الحسن الثاني (2)

        

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

    عندما أسر الملك الحسن الثاني لصديقه الصحفي الفرنسي “جان دنييل”، أسابيع قبل موته سنة 1999، بأنه متألم لتصرفات محيطه الضيق (الحلقة السابقة) فإنه لم يكن سرا أن أقوى ملوك المغرب بدون منازع، وأكبر المغاربة ثروة في زمانه(…) فوجئ بأن أمواله ووثائق ملكيته داخل القصر وخارجه، وكان يكلف به إحدى سيدات ثقته وتسمى فريدة، قد سرقت ((واستدعى الملك الحسن الثاني رجل ثقته القوي إدريس البصري، ليقول له إن هشام المنظري، الذي يحمل جواز سفر مكتوب عليه مستشار الحسن الثاني، قد استولى على وثائق ممتلكات الحسن الثاني، ووثائق تهم الملكية والدولة، ليتصل إدريس البصري بنظيره الفرنسي، بيير شوفنمان وزير داخلية فرنسا الذي استغرب لضخامة غضبة الملك، والذي اعتذر لأن المتهم هشام المنظري غادر فرنسا في اتجاه الولايات المتحدة)) (كتاب مولاي. بيير توكوا).

وربما في خضم تلك الغضبة الملكية، ندم الملك الحسن الثاني على اليوم الذي سمع فيه، بأن الأمير مولاي هشام، شاهد هشام المنظري في إحدى حفلات الزفاف بطريق زعير فاستدعاه للمطبخ حيث ضرب مولاي هشام، هذا النصاب بجميع ما في المطبخ من أواني، لأن المنظري، كان ينتحل شخصية مولاي هشام وينزل في الفنادق العالمية تحت اسم الأمير مولاي هشام، ولم يكن الحسن الثاني وقتها يعرف شيئا، فاستدعى الأمير مولاي هشام وأنبه على تصرفه وضربه لهشام المنظري.

وقد اكتشف الحسن الثاني، أن أمينة سره والمحافظة على أملاكه، هي التي كانت تحمي النصاب هشام المنظري الذي زوجته بابنة أختها حياة، التي رباها الحسن الثاني وكان يعتبرها مثل ابنته.

الملك الحسن الثاني اكتشف أيضا، أن الغدر لم يكن من طرف سيدة ثقته فريدة، وإنما أيضا من أمين سره(…) ورئيس حرسه الخاص، الحاج المديوري.

((ليستدعي الحسن الثاني وزيره إدريس البصري، ويكلفه باستنطاق المديوري، ولكن البصري لم يقم – هو أيضا – بواجبه فاكتفى خلال جولة في السيارة بمناقشة المديوري حول الموضوع، فقد كان الكل يخشى المديوري الذي كان يسمى القط)) (نفس المصدر).

فأي نوع من الحديد الصلب، تحتاجه أعصاب الحسن الثاني، التي استفحلت صحته في هذه الفترة التي بدأت سنة 1998 وتوفي سنة 1999.

فقد أراد المنظري الذي كان فعلا، مقربا من الحسن الثاني، وكلف من طرفه بالكثير من المهام، واستعمله الحارس الخاص المديوري هو أيضا(…) لتشويه سمعة الأمير مولاي هشام، أراد المنظري أن يعطي لسرقاته طابعا سياسيا، ((فعندما كان في ميامي بأمريكا، اتصل بمدير جريدة “لوجورنال” علي عمار، وعرض عليه أن يبيع له مقابل 300 ألف دولار، شريطا مصورا عن علاقته بالحسن الثاني(…) وكان العرض، يقول عمار بحضور الحارس الخاص للمنظري، “ريشار أشينوف” الذي كان يريد أن يحصل على مقادير أتعاب المحامين الذين سيدافعون عن المنظري وكان وقتها في السجن بأمريكا)) (كتاب محمد السادس. علي عمار).

مشاكل ومؤامرات من طرف أقرب المقربين للملك القوي الحسن الثاني، وكانت كالعواصف التي تهد الجبال، فأحرى، رجل كان إلى ساعاته الأخيرة، يمارس تسيير القضايا الوطنية، وكأنه لا يعاني من أية مضايقات شخصية.

فالذين كانوا يعرفون الجنرال أوفقير مثلا، في أوج عظمته، كانوا يتصورون أن النظام المغربي أيام الحسن الثاني، يوجد في أوج قوته، لولا أنهم لاحظوا، أن الجنرال أوفقير نفسه، أصيب في عمق شخصيته، بانتكاسة كبرى، لا علاقة لها بالسياسة ولا بالعسكرية، وإنما باضطراره إلى تطليق زوجته فاطمة التي كانت بجمالها وقوة شخصيتها، أشبه ما تكون بتلك السيدات الحديديات التي يتوسع التاريخ في سرد مغامراتها، ولكن زوجة أوفقير هاته، وبعد أن فصلت ظروف موته في مذكراتها، أبت إلا أن تفسر أسباب النكسة التي كسرت قوة زوجها، حين روت أنها في عز زواجها، وكان كبار الوزراء والعظماء في المغرب، يخشون بطشها ويتهافتون على رضاها، فتحكي أنها أغرمت بضابط شاب، سلبها لبها، لدرجة أنه يوما غضب عليها فقررت الانتحار، وفعلا انتحرت لولا أن إحدى صديقاتها سيلفيا الدكالي، أنقذتها، وكان أوفقير زوجها طبعا، يعرف كل شيء، وهو الخبير بكل ما يجري في البيوت وفي القصور، فكتبت فاطمة أوفقير في مذكراتها ما لا يصدقه عقل في حالتها، ((اكتريت غرفة متواجدة فوق المارشي سنطرال بالدار البيضاء أغلقنا على نفسنا أنا وهو فيها، ثلاثة أيام وليالي نعيش فقط بالخبز والحليب)) (حدائق الملك. فاطمة أوفقير).

وتشاء الأيام والليالي الأخرى، إلا أن تجرنا عبر سنوات اعتقال زوجة أوفقير وأولادها وبناتها، إلى ما هو أهم من الخبز والحليب، إلى هذا الملك الحسن الثاني الذي اضطر في سنة 1991، مرغما أمام الهجمة الإعلامية العالمية، إلى إطلاق سراح زوجة أوفقير، ليوحي إلينا بين السطور، وهو يحتفل بذكرى ميلاده الستين، وهو سن يفترض في بالغه أن يكون لازال قويا(…) لولا أن الحسن الثاني يشحن خطاب الاحتفال بعيد ميلاده بعبارات ((بحثت في أعماق نفسي منذ أسبوع(…) ما هي الدوافع، رغم العياء(…) والإنهاك(…) وتكاثر الأشغال، وتنوع الهموم)) (خطاب 9 يوليوز 1989).

فهل تعب الحسن الثاني وأنهك قبل وفاته بعشر سنوات(…) أم أن الظروف هي التي قادت زوجة أوفقير، بعد خروجها من السجن سنة 1990 لتعرف الحقيقة، حينما ذهبت لزيارة صديقتها زوجة الحسن الثاني لتعرف أن الأمر يتعلق بغدر آخر غير الذي تحدث عنه الحسن الثاني لصديقه جان دنييل سنة 1999، غدر كان عمره عشر سنوات كشفت عنه زوجته السيدة لطيفة لمدام أوفقير، حيث قالت المضيفة للضيفة: ((إن صاحب الجلالة الحسن الثاني الذي كنت تعرفين سنة 1972 انتهى.. الملك تغير.. وتلقى ضربات قوية، لقد صُدم.. بالخيانة، فإذا التقيت به فلا تكلميه بنفس الصيغة التي كنت تكلميه بها من قبل)) (كتاب حدائق الملك. فاطمة أوفقير).

فماذا صدم الملك الحسن الثاني سنة 1990، قبل الصدمات التي اعترف بها سنة 1998 في أعقاب غدر شاب ثقته هشام المنظري.

أكيد، أنه في سنة 1990، كانت حرب الصحراء قد توقفت، وقضية المهدي بنبركة قد تقادمت، والأحزاب السياسية قد تعبت.. وذكريات غدر المذبوح وأوفقير قد تنوسيت، وكان الشعب المسكين قد تعود على المصاعب والمتاعب، وأصبح عندما يقول له الحسن الثاني في بداية خطبه: شعبي الوفي، تجيبه مشاعر الشعب بصوت واحد: كول الخبز الحافي، فمن غدر بالحسن الثاني في فترة 1990.

أكيد أن الحصار الذي ضربه الحسن الثاني على كل الأخبار المتعلقة بالقصر، أخفى الكثير من الأحداث الخطيرة التي كانت تحمل نماذج الغدر والخيانة في أحشائها.

إن الحدث الظاهر الذي زعزع كيان الملك الحسن الثاني مع حلول سنة 1990، كان هو صدور كتاب صديقنا الملك، للصحفي الفرنسي “جيل بيرو”، والذي كان أول كتاب فاضح لأخطاء الحسن الثاني وطريقة حكمه يصدر في تاريخ الملكية المغربية، ولكن صدور هذا الكتاب، لا يمكن اعتباره غدرا ولا خيانة في حق الحسن الثاني، ولا يمكن للغدر أو الخيانة أن يصدرا إلا من طرف أقرب المقربين.

يبقى أن الأمر الذي تحدثت عنه زوجة الملك الحسن الثاني ووصفته بالتغيير الذي ضخمته بأن الملك الحسن الثاني انتهى(…) لن يكون إلا أزمة ضمير، كان الحسن الثاني يعاني منها، أزمة ضمير إثر مراجعة الأحداث التي تنوء بها الجبال، منذ توليه الحكم ثلاثين سنة، كانت تحل سنة 1990، من حروب ومكائد وأحداث منها ما ظهر ومنها ما منع من الظهور.

وكثير من رؤساء الدول يصابون بهذا النوع من الهوس الفكري بعد قضاء سنوات طويلة في الحكم، وهذا الرئيس الجزائري هواري بومدين، وبعد مراجعته لمسار أيام حكمه، يستدعي صحفية ليقول لها: ((أعرف أنهم سيبصقون على قبري، كما يبصقون على كل القادة الذين لم يبقوا في الحكم)) (جزائري اسمه هواري بومدين. إيناس فرنكو).

عندما قبل الحسن الثاني في 1991 الجلوس شهورا طويلة مع الكاتب الفرنسي “إيريك لوران”، ليملي عليه مذكراته في فترة كان فيها كما وصفته زوجته، أسر الكاتب الفرنسي إلى أحد الصحفيين بحقيقة الأمر الواقع، ليكون فيما كتبه هذا الصحفي، التفسير المقنع لوضع الحسن الثاني وهو يراجع مسار حكمه.

((هذه الفترة المقترنة عند الحسن الثاني بتعبه من الحكم، فقد هلك وتهالك، ثم إنه كان محاطا بمجموعة أغلبها خيبت آماله، وقال لي – يقول لوران – وأكد لي(…)، أنه أخطأ في اختيار الكثيرين من أعوانه، وأسفي الكبير – يقول الحسن الثاني – أني أخطأت لهذه الدرجة في تسليم الثقة لبعض الأشخاص، وقد افتقدت عدة مرات سيكولوجية المنطق)) (الحسن الثاني. إنياس دال)

ربما بلغ الحسن الثاني، بعد ثلاثين سنة من الحكم، حدا من التجربة جعله يعيش أزمة ضمير نتيجة ما وصفه الكاتب الفرنسي، بأن القصر، أصبح خليطا من رجال الثقة المزيفين، ورجال أعمال جشعين، تنامت معهم وضعية الرشوة، ما بين الراشين والمرتشين.

وذكر الله بالخير، الأمير مولاي هشام، الذي أرجعنا بعد طول الحديث، إلى عهد الملك محمد السادس، وتعامله مع الظروف السابقة، وكتب: ((إن هذا النوع من التعامل، انتهى مع محمد السادس الذي أنهى هذا الأسلوب الذي هو سلطاني أكثر من ملكي والذي كان أسلوبا متناقضا مع منطق المواطنة في عهد الديمقراطية العصرية)) (الأمير الممنوع. هشام بن عبد الله).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!