في الأكشاك هذا الأسبوع
بوتفليقة

وثيقة أمريكية تؤكد أن “الكبرياء” الإسباني هو الذي حال دون الاعتراف بمغربية الصحراء

تقديم:

يقول الجزائريون بأن مشكلة الصحراء “بين المغرب والبوليساريو”، وإن الجزائر لا ناقة لها ولا جمل سوى دفاعها عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي من أحد أهم مبادئ الثورة الجزائرية. ويقول المغاربة بأن الجزائر هي المبتدأ والخبر في المشكلة، فحتى الدولة المستعمرة إسبانيا انسحبت من الصحراء بعد تسوية القضية مع المغرب، وبقيت الجزائر.

ومما يشد الانتباه ملاحظتين، أن الجزائر تقول بأنها لم يسبق وأن تخلت عن مبدئها في حق الشعوب في تقرير مصيرها والمعنى هنا عن دعم البوليساريو. وثانيا: أن موقفها بقي ثابتا وصريح منذ سنة 1973 بخصوص قضية الصحراء، وأن لا أحد تدخل في قراراتها.

ونود من خلال هذه المقالة أن نعاكس هذا الرأي، وليس من فراغ بل عن طريق وثيقة أمريكية تبين أن الجزائر تراجعت في 4 يوليوز 1975 عن دعم أطروحة حق الشعوب في تقرير مصيرها. وكيف أن إسبانيا هي من جرت الجزائر إلى العدول عن موقفها الجديد، ومن تم الاستمرار في معارضة المغرب وموريتانيا في مرحلة أولى ثم المغرب وحده في مرحلة ثانية.

——————

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

       في يوليوز 1973 أعلمت إسبانيا سفراء البلدان المغاربية الثلاثة المهتمة بقضية الصحراء وهم: المغرب، وموريتانيا، والجزائر بمشروع استقلال داخلي للصحراء، مع إعطاء صلاحيات واسعة لمجلس العموم الصحراوي المعروف باسم الجماعة، وفي 10 يوليوز أبلغت إسبانيا الأمين العام للأمم المتحدة عن نيتها في الشروع في إجراء استفتاء لتقرير مصير الصحراء خلال النصف الأول من العام1975 ، تحت إشراف وضمان منظمة الأمم المتحدة.

هذا المستجد الهام جعل قادة الدول الثلاث يعقدون اجتماعا في أكادير، وتقول الرواية الجزائرية الرسمية – للأسف حتى في الأوساط الأكاديمية الجزائرية – إن القادة الثلاثة بمن فيهم الحسن الثاني أجمعوا على أن حل تقرير المصير هو الحل العادل. بينما نجد من خلال أرشيف محايد وهو الأرشيف الأمريكي أن الحسن الثاني خلال هذا اللقاء ثار في وجه بومدين متهما إياه بنكث وعده، بعدما وعده هذا الأخير بأنه سيدعم المغرب في قضية الصحراء، وأنه لا يريدها.

ولكنه كشف عن أطماعه خلال ذلك اللقاء، وقد كان موقف الجزائر أن يدعم حق تقرير المصير الذي ينكر على المغرب حقه التاريخي في الصحراء. وعند فتح الأرشيف الأمريكي الخاص بهذه المرحلة وجدت الصحافة الجزائرية ضالتها في كلمة تلفظ بها الحسن الثاني في هذا الاجتماع، عندما قال لبومدين “أفضل أن تبقى الصحراء تحت حكم إسبانيا على اتخاذ حل تقرير المصير”.

ونقول لإخواننا في الجزائر أليس الجزائر هي من تحالفت مع إسبانيا من أجل تأسيس دولة مصطنعة في الصحراء واقتسام خيراتها؟ ثم إن الحسن الثاني في هذا اللقاء فضل أن تبقى إسبانيا في الصحراء على اعتماد تقرير المصير كحل لقضية الصحراء، أليس هذا ضرب للرواية الرسمية الجزائرية التي ظلت تقول لسنوات طويلة بأن المغرب كان متفقا على حل تقرير المصير وخدعنا وطعننا و… ثم تخلى عن ذلك، ونظم المسيرة الخضراء ليحتل الصحراء ويغتصبها من شعبها.

ومهما يكن فقد كان ذلك اللقاء بمثابة مفترق طرق بخصوص الدول التي كانت في تلك المرحلة معنية بقضية الصحراء، فقد تحالف المغرب وموريتانيا وطلبا معا استشارة من محكمة العدل الدولية بخصوص أحقيتهما التاريخية والسيادية على الصحراء. بينما تبنت الجزائر الطرح الإسباني الذي يطالب بتقرير المصير وتحالفت مع إسبانيا، وقد أسس هذا الانقسام لتحالفات دبلوماسية فرعية.

ومن تم شرعت الدول كل يحاول إقناع المنظمات والهيئات الدولية بأنه صاحب الحق وادعاءات الآخر مجرد باطل، وأمام مناورات المغرب وموريتانيا الجادة فقد اقتنعت العديد من الدول والهيئات بعدالة قضيتهما، حتى أن الأرشيف الأمريكي يشير إلى أن إسبانيا في موقف حرج وأنها ستسلم الصحراء إلى المغرب وموريتانيا لا محالة. وأمام هذا الوضع والانتصار الكاسح للمغرب وموريتانيا قرر وزير الخارجية الجزائري أن يقوم بزيارة إلى المغرب من فاتح إلى رابع يوليوز، ويتخذ موقفا جديدا من القضية ليتخلى بذلك عن إسبانيا، وهذا ما تناقشه هذه الوثيقة الأمريكية.

 

تصريح 4 يوليوز 1975 لبوتفليقة

 

وعلى ضوء التطورات التي حصلت في هذه القضية، وبعدما بدا للعالم أن موقف المغرب وموريتانيا هو الأقوى، وخلال قيام عبد العزيز بوتفليقة عضو مجلس الثورة الجزائرية ووزير خارجيتها آنذاك بزيارة للمغرب من فاتح يوليوز 1975 إلى الرابع منه، صرح هذا الأخير “بأن الجزائر تؤكد على أن لا مطمع لها في الصحراء التي ترزح تحت نير الاستعمار الإسباني…” وهذا تحول مهم في القضية جملة وتفصيلا، ومعناه ترك إسبانيا وحيدة في مواجهة المغرب وموريتانيا الدولتين اللتين لا محالة سيربحان القضية أمام الرأي العام الدولي، وهو ما يؤدي إلى جعل الأمم المتحدة تصدر قرارا في صالح المغرب وموريتانيا.

وقد قال وزير الخارجية الأمريكي الشهير “هنري كيسنجر” لسفير بلاده لدى هيئة الأمم المتحدة بعد هذا الموقف الجزائري الجديد بما لا يخلو من صريح العبارة “يبدو أن غليان القضية وصل إلى مسألة كيفية نقل سيادة الصحراء من إسبانيا إلى المغرب وموريتانيا، وفقا للخطة التي وضعت من طرف المغرب وموريتانيا وأيدتها الجزائر علنا من خلال تأييد بوتفليقة لذلك من خلال البيان المشترك الذي أصدره هو والحسن لثاني يوم رابع يوليوز 1975“.

ويستمر كيسنجر في شرح هذا التحول الجديد ودلالته، حيث أكد بأنه على الرغم من أن أمريكا ليس لديها أية تفاصيل مؤكدة عن الموقف الجزائري الجديد، فإنها يمكن أن تفترض بأن الجزائر قادرة على مواصلة السياسات التي قد تسبب الإحباط للحكومة المغربية. غير أنه يؤكد أن أمريكا تعتبر أن بيان 4 يوليوز 1975 موقف جزائري صريح، حيث أعلنت من خلاله الجزائر عن رضاها على الاتفاق المغربي الموريتاني حول مستقبل الصحراء، ودليل كيسنجر في تحول الموقف الجزائري هو الدعاية الجزائرية التي أعطيت لهذا الإعلان. إضافة إلى قناعة الملك الحسن الثاني بموقف الجزائر الجديد من هذا التحول، حيث أعلن أنه لا توجد مشاكل مع الجزائر.

 

“كبرياء إسبانيا لا يسمح”

 

وانطلاقا من هذا التحول الهام فقد رأى كيسنجر أن كل هذه التطورات الجديدة تقلب الموازين بشكل كبير أمام نظرة الإسبان الذين كانوا يشكون في أن الجزائر لم تغير سياستها تجاه القضية، وأنها ستبقى إلى جانبهم.

ويرى كيسنجر بأن الإسبان أمام هذا الوضع الجديد فإنهم سيدفعون برعاية الأمم المتحدة القوى الأربعة، وهم: المغرب والجزائر وموريتانيا وإسبانيا، إلى مؤتمر بمشاركة الجزائر على أمل إمكانية الاعتماد على هذه الأخيرة لعرقلة ما ربما تراه الحكومة الإسبانية بالإجماع نصرا صريحا “ربما” للمغرب بشأن قضية الصحراء.

ويرى كيسنجر أن المغرب وموريتانيا ربما يدفعون إلى مؤتمر للقوى الثلاث المعنية بالصحراء، دون الجزائر، للختم بدقة على تفاصيل انتصار واضح وصريح أمام الأمم المتحدة لوضع القرارات التي قد تراها تنتصر لموقفهم، والتي من الممكن أن تكون مفهومة حيث إن الكبرياء الإسباني عامل رئيسي في تحديد تكتيكات الصحراء. وهذا يمكن أن يفسر فشل مدريد في الرد على مناورات الحسن الثاني في الترتيبات الاقتصادية والأمنية، إذا كان الاتفاق يتم قبل أن تقدم محكمة الدولية العدل والأمم المتحدة نتائجها (ربما ما يلمح له كيسنجر هو الاتفاق الثلاثي بين المغرب، وموريتانيا، وإسبانيا، بمدريد في نونبر 1975 الذي تخلت بموجبه إسبانيا عن الصحراء).

ويرى كيسنجر بأن المغرب وموريتانيا كانا يسعيان لعقد هذا الاتفاق قبل صدور قرار محكمة العدل الدولية، ويشير إلى أن إسبانيا ترد على الضغط المغربي الموريتاني بالقول بأنها ليس لديها سلطة لنقل السيادة من الصحراء إلى أي بلد، وهذا من مسؤولية الأمم المتحدة.

 

سياسة أمريكا بخصوص قضية الصحراء

 

إحدى وثائق الخارجية الأمريكية (تلغرام بعثه كيسنجر) التي رفع عنها طابع السرية مؤخرا، وهي ضمن سلسلة وثائق حول الصحراء، مؤرخة بتاريخ 19 يوليوز 1975 أي بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الجزائري إلى المغرب

إحدى وثائق الخارجية الأمريكية (تلغرام بعثه كيسنجر) التي رفع عنها طابع السرية مؤخرا، وهي ضمن سلسلة وثائق حول الصحراء، مؤرخة بتاريخ 19 يوليوز 1975 أي بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الجزائري إلى المغرب

وعلى ضوء ما تقدم يشير كيسنجر إلى أن أمريكا لا يمكنها التورط لمصلحة أحد من الأطراف المعنية، حيث من الممكن أن يفسر أي تحرك منها على أنه انحياز إلى طرف دون الآخر. كما لاحظ أن خطر الأعمال العدائية من طرف المقاتلين الصحراويين قد تراجع منذ الإعلان المغربي الجزائري. ويرى أن القضية متجهة إلى القرار الأممي نظرا لتأييد واضح من طرف الأفارقة العرب لصالح الموقف المغربي الموريتاني. ويشير كيسنجر إلى أنه من الأفضل لإسبانيا أن تأمل في تدخل الأمم المتحدة في عملية نقل السيادة التي من شأنها تقليل التأثير في الكبرياء الإسباني.

أما بخصوص ما يجب أن تفعله أمريكا بخصوص هذه القضية فيقول كيسنجر لسفير أمريكا بالأمم المتحدة بأن يشكر الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك “فالدهايم” لإخبارهم بتطورات القضية، كما قال له بأن يخبر الأمين العام باهتمام أمريكا المستمر الذي تقوم به الأمم المتحدة في مجال التعليم، وجهود أخرى ولعل أبرزها حل قضية الصحراء سلميا، كما أكد أن أمريكا محايدة بخصوص هذه القضية،

كما أصدر توصياته لسفراء بلاده في كل من المغرب وإسبانيا:

فبالنسبة لمدريد يؤكد بأنه يجب على سفير أمريكا هناك أن يقدم كافة التفاصيل لنائب وزير الخارجية حول القلق الإسباني من أمريكا بخصوص قضية الصحراء، ويؤكد دائما بأن أمريكا رأت أن سياستها ستكون هي الحياد، وعدم تأييد أي مقترح يقدم من قبل أي طرف.

وبخصوص الرباط فإنه للأسباب المذكورة سابقا والتي تدل على انتصار المغرب في القضية، فإن كيسنجر لا يرى ميزة أو إضافة يمكن أن تضاف من جراء قيام الولايات المتحدة الأمريكية بوساطة بين المغرب وموريتانيا من جهة، وإسبانيا من جهة أخرى. كما اقترح عليها في كثير من الأحيان وخاصة من طرف الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك فالدهايم.

وهكذا فإننا نلاحظ كيف أن الجزائر تحولت من دعم إسبانيا إلى دعم المغرب بين عشية وضحاها عندما رأت أن المغرب منتصر لا محالة في هذه القضية، وكيف أن إسبانيا كانت على قريبة من توقيع اتفاق مدريد قبل صدور رأي محكمة التحكيم الدولية، ولو أن إسبانيا فعلت لانتهت القضية في ذلك التاريخ، ولكن كما تشير الوثيقة الأمريكية أن للكبرياء الإسباني دور لأنها ستفقد هيبتها أمام العالم إن سلمت الصحراء بتلك الطريقة، وقد تحولت الجزائر بعد ذلك إلى الداعم الأول للبوليساريو.

ونريد أن نختم بهذه الملاحظة وهي أن تصريح 4 يوليوز 1975 لا يذكره الجزائريون أبدا لأنه يربكهم، ولأنه يطرح سؤالا أمام موقفهم وهو بعدما غيروا موقفهم وانحازوا لمصلحة المغرب، لماذا انقلبوا على أعقابهم بعدما تخلى حتى الإسبان عن الصحراء، وبقيت الجزائر هي الوحيدة التي تعارض القضية بعد انسحاب إسبانيا. أما المغاربة فبخصوص قضية الصحراء فإننا نسمعهم يقولون إنها قضيتنا الأولى، وعندما نتفحص المكتبات لنرى كم كتابا كتب عنها لا نجد إلا القليل أو لا نجد أبدا.

 

تعليق واحد

  1. محمد عمراوي

    موقف الجزائر من قضية الصحراء تميزه الحربائية، حسب السياق وحسب المصلحة، ومن المؤكد أن جراح ومخلفات حرب الرمال 1963 لم تندمل ولن تندمل أبدا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!