في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا رفقة محمد بنعيسى

محمد بنعيسى.. المثقف الذي تنبأ له الراحل أحمد بنسودة بمستقبل زاهر

 شخصيات عرفتها – بقلم رمزي صوفيا

             عندما كنت أنقل تحيات الأستاذ بنعيسى لصديقي الأستاذ بنسودة كان يقول لي: “إن له أخلاقا طيبة ووفاء كبيرا وأنا أتنبأ له بمستقبل زاهر لأن المغرب في حاجة لأمثاله من المثقفين المتميزين بأخلاق عالية”، ومرت السنوات وإذا بالملك الراحل الحسن الثاني يختار محمد بنعيسى سفيرا للمغرب في أكبر وأهم دولة في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب وجيهة وعديدة منها ثقافته العالية وقدرته على ربط العلاقات الوطيدة مع الشخصيات من أول لقاء.”

————————-

           في شريط الذكريات، تعود بي ذاكرتي لأربعة عقود مضت، حيث كنت بمدينة مراكش مع الوفد الصحفي الدولي في انتظار إعلان انطلاقنا في المسيرة الخضراء نحو الصحراء المغربية، والتي تعتبر حدث القرن العشرين بدون منازع بعبقرية الراحل العظيم الحسن الثاني طيب الله ثراه، وكان يوجد معنا في فندق “هوليداي إن” الذي أقمنا فيه، صديق العمر النادر الوجود، الراحل الأستاذ أحمد بنسودة. وكان برفقته شاب وسيم وأنيق يطالع الناس بابتسامة لبقة تكشف عن شخصية عالية الأخلاق، فعرفني عليه الأستاذ بنسودة قائلا: “هذا زميل لك، إنه أديب وكاتب ومفكر ممتاز يتمتع بقلم سيال وثقافة عالية، إنه رئيس تحرير جريدة “الميثاق الوطني” التي تصدر عن حزب الأحرار الذي كان يرأسه مؤسسه أحمد عصمان، الذي كان هو الآخر سيشارك معنا في المسيرة الخضراء والذي كان يشغل منصب الوزير الأول في تلك الفترة. وهكذا بدأت صداقتي بالأستاذ محمد بنعيسى، وكانت المسيرة الخضراء فرصة خلقت تقاربا كبيرا بيننا.

وبعد ذلك، شغل محمد بنعيسى منصب وزير للثقافة، فأتيحت لي فرصة إجراء عدة حوارات معه كنت قد نشرتها على صفحات جريدة “السياسة الكويتية” التي كنت أشغل منصب مديرها الإقليمي ومدير تحريرها. وكنت كلما التقيت الأستاذ محمد بنعيسى يبادرني بالسؤال قائلا لي: “ما هي أخبار أستاذنا الكبير أحمد بنسودة؟”، وعندما كنت أنقل تحيات الأستاذ بنعيسى لصديقي الأستاذ بنسودة كان يقول لي: “هذا الشاب له أخلاق طيبة ووفاء كبير وأنا أتنبأ له بمستقبل زاهر لأن المغرب في حاجة لأمثاله من المثقفين المتميزين بأخلاق عالية”. ومرت السنوات وإذا بالملك الراحل الحسن الثاني يختار محمد بنعيسى سفيرا للمغرب في أكبر وأهم دولة في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب وجيهة وعديدة منها ثقافته العالية وشخصيته المتميزة القادرة على ربط العلاقات الوطيدة مع الشخصيات من أول لقاء، كما أنه درس في أمريكا وتربطه علاقات كثيرة بشخصيات نافذة هناك وخاصة في مجال الصحافة والكتابة والسياسة إضافة إلى إتقانه التام للغة الإنجليزية، كما أنه محدث لبق ومحاور ذكي، مما جعل اختيار الحسن الثاني ينصب عليه دون سواه لتمثيل المغرب هناك. وكان اختيار الحسن الثاني كالعادة في محله، حيث نجح محمد بنعيسى في جعل المغرب على لسان كل رجال السياسة والأدب والأعمال الأمريكيين، وجعل الكثيرين منهم يزورون المغرب ويعتادون على قضاء عطلهم فيه.

ومرت السنوات، فكنت كعادتي في رحلة إلى أمريكا، ومن حسنات الصدف أنني التقيت محمد بنعيسى مرتين في مطار نيويورك، حيث عدنا على نفس الطائرة التابعة للخطوط الملكية المغربية، وطيلة الرحلة وهو يحدثني بفرحة غامرة عن الإعجاب الهائل الذي يكنه الأمريكيون للحسن الثاني، وأنهم لا يتوقفون عن الإشادة بشخصيته الريادية كقائد عربي قل نظيره في التاريخ. وكانوا يقولون لمحمد بنعيسى: “إن الشعب المغربي محظوظ لأنه يعيش تحت قيادة ملك حكيم مثل الحسن الثاني”. ثم يتجه بحديثه إلى ذكر خصال وشيم ولي العهد آنذاك الأمير سيدي محمد الذي يتميز بذكاء خارق ونضج كبير، جعل كل الملوك العرب والرؤساء الأجانب يقولون بلسان واحد بأن الشعب المغربي سيكون بين أيد أمينة، وإن الأمير الفائح الذكاء والحكمة سيكون خير خلف لوالده الحسن الثاني، وإن الازدهار لن يترك ديار المغرب أبدا. وكان يقول لي الأستاذ محمد بنعيسى: “إن ذكاء وحكمة الأمير سيدي محمد جعلت والده ينتدبه باستمرار للنيابة عنه في المؤتمرات واللقاءات الدولية الكبرى بمختلف أنحاء العالم، وسيكون للمغرب تحت قيادته شأن عظيم فالتربية البيتية الطيبة والتكوين الثقافي الهائل الذي تلقاه سيجعلان منه ملكا عظيما فهنيئا لنا به”. وبعد سنوات نصبه الملك الحسن الثاني وزيرا للخارجية، فأبلى البلاء الحسن وجعل علاقات المغرب بعدة بلدان تتطور بالخير لصالح وطنه، كما خدم قضية الصحراء على أكبر منابر العالم، وبقي متواضعا وفيا لأصدقائه القدامى رغم مسؤولياته المتزايدة.

وبعد رحيل موحد البلاد الحسن الثاني، جلس على العرش العلوي ملك الرخاء والأوراش التنموية جلالة الملك محمد السادس، فواصل الأستاذ محمد بنعيسى خدمته لوطنه بالانكباب على خدمة مدينته الأصلية أصيلة التي ولد فيها سنة 1937. وأنجز الكثير من الأوراش الثقافية والإعلامية والخدماتية لفائدة أبناء مدينته الذين اختاروه في انتخابات 2009 عمدة لمدينتهم أصيلة.

وبفضل مجهودات الأستاذ محمد بنعيسى فقد تحولت مدينة أصيلة إلى ملتقى لكبار المثقفين والأدباء، حيث تتوفر على أكبر خزانة في المغرب إضافة إلى الإشعاع الفكري والاجتماعي الذي يضفيه عليها مهرجانها السنوي الكبير الذي يترأسه شخصيا مبدعه الأستاذ محمد بنعيسى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!