في الأكشاك هذا الأسبوع
أغنية الانتقام لقطب أقطاب أمهروق الجنرال حمو، أعدم في يوليوز 1971

الحـقــيقة الضــــائعة | خطر الانتقام النسوي في تاريخ الحسن الثاني

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

                  لم يسبق في تاريخ، ولا في الاستقصا، ولا في نزهة الحادي، أن تجرأ كاتب ليكتب كما قرأنا أخيرا، في خبر صحفي متفجر تفجر قنبلتين إعلاميتين، بمناسبة زفاف حفيدة الملك الحسن الثاني سكينة، ابنة الأميرة لالة مريم، أنها، أولا، ستجرد من لقب أميرة، وثانيا، أن أباها فؤاد الفيلالي، لم يحضر زفاف ابنته، وهو على بعد أمتار من حفل الزفاف.

وتتشبه هذه الأخبار، بضخامة الانفجار.. لأن التاريخ الجديد لما جرى، وما يدور في دهاليز القصور، “واذكروا الناطق باسم القصر، حسن أوريد، حينما شبه القصر الملكي بعد أن خرج منه(…) “بعالم الظلمات الذي لا يدخله النور””.

فأحرى أن تخرج منه الأخبار.. منذ أن قطع الملك الحسن كل ما بقي من الأسلاك، بين الحقيقة والخيال، حقيقة الطبيعة الكونية التي لم تمنع خبر التفاحة بين ملك الكون، آدم ورفيقة حياته حواء، ولا سكت القرآن عن ميلاد عيسى ابن مريم بدون أب، ولازالت الحرب قائمة بين أحفاد الرسول محمد، أولاد ابنته فاطمة، مثلما لم تحذف الرقابة البدائية(…) نظرات ملك الملوك سليمان وهو يتفحص ملكة سبأ بعد أن ((وكشفت عن ساقيها)) (سورة النمل)، بل جمع المؤرخون البدائيون في ألف ليلة، قصص شهرزاد والملك شهريار.. ليبقى الخيال، هو ما كان يتصوره الملك الحسن الثاني، من منع لنا نحن الصحفيين الذين عاشرناه، من أن نلمح إلى كل ما له علاقة بتاء المؤنث، متصورا – رحمه الله وغفر له – أن الدنيا توقفت عند أوامره.. حتى شاء له القدر أن يكتشف بأم عينيه، أن أسرار قصره، كانت بحذافيرها(…) مفصلة في الكتب والمجلات، ليكاد الإجماع الصحفي، يحصل حول حقيقة واحدة، وهي أنه – رحمه الله – مات لهول هذه المفاجأة، وقد كانت أحجام أسرار الحسن الثاني الممنوعة، لا تتعدى في ضخامتها عظمة شخصيته، ولا في أبعادها، بعد نظره.

فمرة، مثلا، دخل عليه كاتب دولته إدريس البصري، وكان في الأقسام الابتدائية الأولى، لمؤسسة المخزن(…) سنة 1971، فقدم له كاسيطا صوتيا مسجلا لحفلة موسيقية أقيمت في بيت وزيره المحجوبي أحرضان، بمحضر مجموعة من أفراد عائلة أمهروق تتوسطهم زوجة أحدهم، القايدي، التي تسمى الآن(…) المرأة الحديدية لفريق الحركة الشعبية، حليمة العسالي، والأغنية المرددة بحماس الجميع(…) من نظم شعر ممنوع، كله إشادة، بقطب العائلة، الجنرال حمو، الذي أعدم مع أقطاب المسؤولين عن تنظيم انقلاب الصخيرات (10 يوليوز 1971) ضد الملك الحسن الثاني، وكان يصيح والرصاص يخترق صدره: عاش الملك الحسن الثاني.

والذي يتعمق في أصول وتقاليد المجتمع الزموري على الخصوص والأمازيغي عامة، يعرف خطورة الأغاني والأهازيج مثلما يعرف أجيج نار حرقة الانتقام، لا ينطفئ أبدا، في صدور الزموريات(…) وأنها تفعل في عقول سكان الجبال والخيام، أكثر مما عملته خطب لينين في روسيا قبل الثورة الشيوعية سنة 1907، إن لم يكن ما قدمه تسجيل إدريس البصري، عن حفل والماس، أعمق وأخطر، لأن البصري شرح أغنية السهرة، بأنها تمجيد لقطب العائلة المعدوم.

ليدرج الحسن الثاني وسط برامج عمله لمواجهة مخلفات المحاولة الانقلابية الأولى، قضية التسجيل الصوتي الذي قدمه له إدريس البصري.. طبعا لأن العلاقة متينة بين التسجيل الصوتي والانقلاب ليحكي المحجوبي أحرضان، وهو بالتأكيد، أذكى وأكبر من إدريس البصري علما بخبايا القبائل وما تعنيه ترديدات الحيدوس ((فدخلت يوما عند الحسن الثاني، وقلت له: ها هو التسجيل المعلوم(…) الذي تبحث في شأنه كل أجهزة المخابرات، واعتقلت بسببه حليمة وزوجها أمهروق، وكانوا ضيوفي في بيتي، فأجابه الحسن الثاني: ربما الجنرال حمو مات لأنه دار علاش، وأنا شخصيا لي علاقة عائلية معهم(…) علاقة ترجع لأيام الحسن الأول ومولاي حفيظ، وقد سلمت المعتقلين لمدير الأمن حصار(…)، وسأطلق سراحهم بعد أن أجمع حولهم، كل أفراد العائلة، ليحشموهم(…) أمام الجميع. ثم تناول الكاسيط مني.. وقال لي: سأعطيها لأوفقير لأني لا أفهم الشلحة)) (مذكرات أحرضان).

أوفقير، الذي كان على بعد أقل من سنة، لتنظيم الانقلاب الثاني، استدعى مدير الأمن حصار، ليحدثه عن المعتقلين وقال له: ((إن حليمة العسالي، في طريقها لكي تصبح كاهنة الأطلس)) (نفس المصدر).

جزئية، تكشف أن الجنرال أوفقير، لم يكن يتمتع بدهاء الحسن الثاني، الذي كان وهو ينصت إلى الكاسيط المسجل في بيت أحرضان، لا يتذكر الكاهنة(…) وإنما يتذكر بطلة تاريخية أكثر منها تأثيرا على القبائل المغربية وعلى تقاليد الانتقام(…) وهي المغنية الشاعرة “حادة”، التي كانت تتبنى معارضة أقوى رجل أيام الحسن الأول، وهو باحماد، وعامله في منطقة دكالة وعبدة، الجبار القايد عيسى بن عمر (1841-1924) الذي هيمن على المنطقة بعد تنصيب الطفل “إيمز”(…) مولاي عبد العزيز، سلطانا من طرف الوزير باحماد، وبدؤوا يمارسون الحكم والظلم نيابة عن السلطان، فلم يجدوا في مواجهتهم إلا الشاعرة المغنية “حادة”، التي تم تشويه وجهها في حادث غامض، فأصبحت تسمى “خربوشة”، المعارضة الأولى لظلم السلطان في تاريخ المغرب الحديث، والتي بعيطاتها(…) وهي مخترعة العيطة، أصبحت تدعو للانفصال عن حكم سلطان عديم التجربة.

وربما كانت زوجة الحسن الثاني، حفيدة القايد أمهروق لطيفة، تترجم لزوجها عيطات خربوشة التي دخلت تاريخ المعارضة المغربية في زمن لم تكن فيه معارضة وإنما كان فيه قطع الرؤوس، حيث: ((أمر القايد عيسى بن عمر بعدما أصبح يشعر بخطورة خربوشة، بأن تعتقل، ويتم تعذيبها، ثم تدفن حية.. كما تم تفصيل ذلك في الكتب وفي شريط سينمائي ناجح، للمخرج حميد الزوغي حيث ماتت خربوشة وهي تردد عيطة “يا أبي إني أموت وأنا أتعذب”)) (كتاب خربوشة مولاة العيطة. خالد الخضري).

أثر خربوشة وصرامة عيطاتها هي التي جعلت الحسن الثاني سنة 1990 يصدر أوامره بمنع أغنية عنها، للمغنية حياة الإدريسي، فهو إذن، وهو يأمر باعتقال أفراد عائلة أصهاره أمهروق(…)، يعرف أن خربوشة، أخطر عليه من الكاهنة، كما كان يتصور جنراله أوفقير.. ولربما كان مخطئا.

أكيد إذن، أن الحسن الثاني، كان يخفي هذه الجزئيات، ويمنعها من النشر، لأنها تكشف أن الخطر الثقافي، هو أكبر تأثيرا على الرأي العام من الخطر السياسي، مثلما الصحافة المكتوبة كما ترون، أخطر من الغزو الإلكتروني(…).

ففي عهد الحسن الثاني وعندما دخلت جيوش الإمام الخميني لطهران، مدججة بالقفاطين الخضراء، كان أول أمر أصدره الإمام الثائر، الخميني، هو إعدام وزيرة الثقافة في عهد الشاه، ومستشارته “فار خروبارس” قبل إعدام الآلاف من أقطاب النظام.

أحسن ما خلد أهمية الثقافة والكتابة في الواقع المغربي، حدث ((عندما قام الأمير مولاي عبد الله أخ الحسن الثاني، رفقة زوجته الأميرة لمياء الصلح، بزيارة الزعيم السياسي محمد بلحسن الوزاني، بعد أن قطعت يده في هجوم الصخيرات، وعندما تحدث إليهم قال: لقد فقدت حياتي، فقال له مولاي عبد الله، وماذا نقول عن أولئك الذين قتلوا في الصخيرات، فقاطعته زوجته لمياء، وقالت: إن حياته انتهت لأنه كاتب يكتب بيده اليمنى، لأن حياته هي الإنتاج الثقافي وليست المتعة(…) فأنتم لا تفهمون هذا)) (مذكرات الأمير الممنوع. هشام العلوي).

وطبعا، كانت للحسن الثاني خلفيات في مجال تعامله مع النساء القويات، وقوة المرأة في ثقافتها، ليقدم على اتخاذ قرارات مصيرية بقي يدفنها في أعماقه، ويمنعها من النشر، بإصرار، من قبيل مناداته على صديقه ووزيره مولاي أحمد العلوي، ليأمره بتطليق زوجته الجامعية، آسيا، ليقول له: عليك أن تختار بيني وبين الاحتفاظ بها، وبعد ايام يعود لكي يصدر له أمرا بإقامة حفل كبير لإرجاعها.

ولا يسمح الفارق الزمني، ليربط بين الخلفيات السرية والعلنية، لهذا القرار الملكي، مادامت آسيا نفسها تحكي أنه لما سمع الملك الحسن الثاني، بأن الجنرال أوفقير، تعشى مع ضباطه وهو يحضر للانقلاب الثاني في بيت زوجة وزيره الأزرق آسيا، فسارع الحسن الثاني إلا الاتصال تلفونيا بآسيا زوجة مولاي أحمد، ليسألها عن برنامج أنشطتها وتحركاتها ليلة عشاء الجنرال أوفقير، لتفهمه هي أنها لا يمكن أن تفضل الجنرال أوفقير على زوجها مولاي أحمد، ولتفهم هي أيضا، أن الملك الحسن، خلط بينها وبين آسيا زوجة وزير المالية الأزرق، التي تعشى عندها الجنرال أوفقير فعلا، ورغم ذلك(…) فإن مدام آسيا الأزرق، عندما اعتقل زوجها في قضية الوزراء المرشيين، كتبت له رسالة عندما قرأها قال لمدير تشريفاته الجنرال مولاي حفيظ: إنها رسالة بكيت لقراءتها، إن زوجها لم يسرق كما فعل الآخرون(…) وقل لها إني سأعطي أوامري لوكيل الملك، للتعجيل بحل مشكل زوجها.

وقد يقول قارئ، بأن الملك الحسن الثاني كان مشغولا، بملفات النساء الأخريات، زوجات الوزراء، أو منشدات العيطات(…) إلا أنها جزئيات تكشف أنه بقي بعد حادث خربوشة، وكاهنة الأطلس(…) مسكونا بهاجس الخوف من الانتقام(…).

مؤكد، يفهم من خلال آخر اعترافاته(…) قبل موته، وقد اسرها لصديقه الصحفي “جان دنييل” ((أسابيع قليلة قبل موته، سمعته يتأسف ويتألم، لتصرفات محيطه الضيق(…) إن له أسرارا حول المقربين منه(…) الذين غدروا به)) (جان دنييل. كتاب le Soleil d’Hiver).

المألوف، أن المؤامرات التي تواجه الأقطاب، تكون من طرف النساء الحديديات، ويكاد هذا الموضوع، يكشف أن المحيطات السلطانية والملكية، خالية من النساء الحديديات، وأن هذا النوع من النساء، شاهدناه بعض المرات في جانب المعارضة، رغم أن أحد الفلاسفة قال: ((إن المرأة الحديدية، هي زوجة الديكتاتور أو إحدى قريباته)) وهي المقولة التي تؤيدها نماذج من قبيل إيميلدا ماركوس، التي طغت وتجبرت، وعرفت بأنها المرأة الوحيدة في التاريخ التي كانت تحمل أيضا اسم “ملكة الأحذية”، إذ كان لها في غرفة نومها أربعة آلاف حذاء، ربما كانت تقتنيها لغلاء ثمنها، أو لضرب زوجها الجبار ماركوس في الفيلبين، مثل المرأة الحديدية في هايتي ميشيل، زوجة الديكتاتور دوفاليي، أو مدام نهو، زوجة ديكتاتور الفيتنام، الذي تنازل عن إمبراطوريته للقوات الشيوعية، كما يبقى التاريخ الحديث مربوطا بأخت شاه إيران، أشرف، التي اتفق خبراء الذات الشاهنشانية، أن جيناتها اختلطت في بطن أمها، مع جينات أخيها التوأم شاه إيران رضى بهلوي، فأخذ منها هو الطباع النسوية وأخذت منه هي صفات الرجولة، وأصبحت تسمى صاحبة “السمو الإمبراطوري”، التي كتب عنها الصحفيون الإيرانيون ((أنها عملت على تقوية وزيادة صلابة العمود الفقري للشاه)) ورغم ذلك، وفي إطار الاعتدال، قالت: “إن بعض الناس يعبدون الله، وأنا أعبد أخي”، وهي التي ابتدعت طريقة النفاق السياسي التي أصبحت سارية في كثير من الدول الديكتاتورية، ونحن نرى أن الديكتاتورية لم تنته بعد، ففي سنة 1970 وبينما كان أخوها الشاه، يمارس الديكتاتورية عبر جهاز مخابراته “السافاك”، تم الإعلان عن تسمية أخته أشرف، رئيسة لجمعية حقوق الإنسان.

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!