في الأكشاك هذا الأسبوع
كيسنجر في ضيافة الملك الحسن الثاني

روبورتاج | أرشيف ملف الصحراء بلسان الأمريكيين

تقديم:

 لأول مرة يكشف الأرشيف الأمريكي عن محتوى الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي “هنري كيسنجر” ما بين 9 و15 أكتوبر 1974 لكل من المغرب والجزائر وإسبانيا، بخصوص قضية الصحراء. تفاصيل نادرة سرية وهامة للغاية في لقاءات رفيعة المستوى بين قادة الدول الثلاث وأهم وأشهر وزير خارجية أمريكي في التاريخ، تظهر من خلال حوارات “موثقة” بين هنري كيسنجر والرئيس الجزائري السابق هواري بو مدين من جهة، وبين كيسنجر الذي يوصف بـ”تقلب السياسة الأمريكية”، ووزير الخارجية الإسباني السابق “بيرو كرتينا” من جهة أخرى.

خلال لقائه مع بومدين قال كيسنجر “ليس من المعقول أن تبقى إسبانيا في الصحراء”، وفي لقائه مع وزير الخارجية الإسباني قال إن “إقامة دولة في الصحراء لا يمكن أن يقدم مساهمة كبيرة للعالم”(..)، حسب ما تؤكده مضامين الوثائق التي سيتم عرضها في ما يلي:

 —————————————-

 بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

      تعتبر قضية الصحراء القضية الوطنية الأولى للمغرب، وإحدى المحددات الرئيسة للعلاقات المغاربية، ومعيارا أساسيا لربط التحالفات بالمنطقة، وعاملا مساعدا في تشكيل مداخل تأثير واختراق خارجي. وهي بذلك تشكل العائق الأكبر لبناء المغرب الكبير، فما إن أثيرت في سنة 1973 حتى عادت كل الخلافات السابقة التي نشبت بين المغرب والجزائر، وعادت معها الخلافات والاختلافات الثنائية من جديد، ولعل آخرها حرب الرمال في سنة 1963.

وإن كان هناك شيء يمكن قوله عن كون أن هذه القضية أحيت الخلافات القديمة، فهو المقولة القائلة “إن النزاعات العربية -العربية تتسم بالمرونة لدرجة أنها قد تختفي، ولكنها تظل كامنة إلى أن يحين الوقت المناسب لكي تثور من جديد”. وهذا ما أكده الرئيس الجزائري هواري بومدين في تصريح أدلى به لمجلة “كولومبو” الإسبانية في نونبر1975 ، حيث قال “لا خلاف أن قضية الصحراء الغربية قد أبرزت من جديد جوهر الخلافات الإديولوجية والسياسية، وحتى الاستراتيجية بين بلدان هذه المنطقة”.

وفعلا فقبل إثارة هذه القضية، كانت بلدان المغرب العربي، قد دخلت منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات في سلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات الرامية إلى إنهاء كل الخلافات بينها، وطي صفحة الماضي. فقد دشنت هذه السلسة بزيارة الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى المغرب وتوقيع اتفاقية “إفران” في 15 يناير 1969، ثم تبعتها معاهدة “الرباط” في 15 يونيو 1972، والتي أنهت النزاع الحدودي بين الجزائر والمغرب، إضافة إلى معاهدة “الدار البيضاء” في 8 يونيو 1970 بين المغرب وموريتانيا، التي نصت على تخلي المغرب عن مطالبه الإقليمية في موريتانيا.

وقد بدأت المشاكل تظهر بين المغرب والجزائر من جديد، وذلك خلال اللقاء الذي دار بأكادير بين يومي 23 و24 يوليوز 1973، والذي جمع كلا من الحسن الثاني، وهواري بومدين، والرئيس الموريتاني المختار ولد دادة حول قضية الصحراء. وخلال هذا اللقاء ثار الحسن الثاني في وجه بومدين متهما إياه بنكت وعده، بعدما وعده هذا الأخير بأنه سيدعم المغرب في قضية الصحراء، وأنه لا يريدها. ولكنه كشف عن أطماعه خلال ذلك اللقاء في ضمها، وقد كان موقف الجزائر أن يدعم حق تقرير المصير الذي ينكر على المغرب حقه التاريخي في القطعة الترابية.

وقد قام وزير الخارجية الأمريكي “هنري كيسنجر” بزيارة إلى كل من المغرب والجزائر وإسبانيا، بهدف أخذ رأي كل دولة وتقديم موقف أمريكا من القضية، وبقي ما دار بين “كيسنجر” وزعماء الدول في سرية تامة نظرا لحساسية الموضوع حتى كشف الأرشيف الأمريكي عما دار من مناقشات بين الرجل وزعماء هذه الدول.

ونود أن نطلع قراءنا على هذه المحادثات، لأنها مهمة جدا وتعكس موقف أمريكا التي أعلنت الحياد في تلك المرحلة تجاه القضية. ونود أن نبدأ بما دار بين الوزير الأمريكي والرئيس الجزائري هواري بومدين وذلك يوم 14 أكتوبر 1974 بالجزائر العاصمة، وقد حضر هذا اللقاء إضافة للرجلين كل من وزير الداخلية الجزائري أحمد المدغري، وإسماعيل حمداني مدير ديوان الرئيس الجزائري.

بينما حضر مع المسؤول الأمريكي ثلاثة مرافقين ومستشارين، وهذا هو الحوار الذي دار بين الرجلين كما هو:

بومدين: ما هي وجهة نظرك بخصوص مشكلة الصحراء؟

كيسنجر: الصحراء الإسبانية “بما أنها كانت تحت الحماية الإسبانية فقد كانت تسمى الصحراء الإسبانية”.

بومدين: إن المغاربة سيثيرون ذلك.

كيسنجر: والإسبان كذلك! تريد رأيي بصدق؟

بومدين: نعم، بصراحة.

كيسنجر: أريدها أن تذهب بعيدا! لا أستطيع الحصول على متحمسين من 40000 من السكان، الذين ربما لا يعرفون أنهم يعيشون في صحراء تابعة لإسبانيا (يقصد الاستعمار). وآمل أن لا تعتقدوا أنني ساخر جدا، ليس لدينا أي مصلحة في إسبانيا لتكون هناك، فليس من المعقول أن تبقى إسبانيا في إفريقيا.

بومدين: ما هو رأيك في تقرير المصير؟

كيسنجر: أنا مع الاستفتاء، ولكن أنا لا أعتقد أنه من الطبيعي أن يكون لكيان سيشكل عن طريق الخطإ. لذا فإن السؤال الوحيد هو ما هو البلد الذي يمارس نفوذا قويا في المنطقة، ونحن لن تكون لنا أنشطة في المنطقة.

كيسنجر: (سؤال ثان) ما هي وجهة نظرك؟ أنا مهتم بها، يقول المغاربة بأنك تريد ضم الصحراء.

بومدين: لتعطينا متنفسا وحتى اتصالاتنا ستكون أسهل، ما هو رأيك؟

كيسنجر: وعلى المدى الطويل – مع ترك الصحراء الإسبانية جانبا – فإن الذي لا مفر منه، أن الجزائر سوف تصبح القوة المهيمنة في المغرب العربي.

بومدين: في الحقيقة، عليك أن تكون على علم، بأنه ليس لدينا مثل هذه الطموحات فلو كانت لدينا، فإننا نعلن عزمنا عن ذلك قبل الشعب الجزائري. ونحن مهتمون جدا بالحفاظ على وحدة شعبنا، ولدينا اتفاقيات مع المغرب وخصوصا في مجال النفط، وحيث إن المغرب يريد دعمنا، وموريتانيا أيضا.. وأثناء محادثاتي مع الملك الحسن الثاني فقد قلت له “لا تطلب مني اتخاذ موقف غير أخلاقي”.

وهناك اتفاق بين موريتانيا والمغرب، يقول المغاربة جهرا هذا التراب مغربي. هناك اتفاق بين المغاربة والرئيس ولد داداه، حتى إنه ذكر من قبل الصحافة الأمريكية، وأنا لا أعرف كيف حصلت هذه الصحافة على هذه المعلومات.

كيسنجر: هل هذا صحيح؟
بومدين: نعم.
كيسنجر: إنها إذا أراض موريتانية مغربية.

بومدين: نحن لا نريد متنفسا، نحن نريد استغلال الحديد الخام، ولكن نحن لا نريد أن يكون نقطة الصراع.
كيسنجر: كيف يمكنك استغلال الحديد الخام إذا لم يكن في أراضيكم؟

باركر: إن المناجم فوق الأراضي الجزائرية.
كيسنجر: نحن لن نتخذ أي موقف، أو ينبغي لنا ذلك؟ لأنها لا تنطوي على أي مصلحة أمريكية.

بومدين: الإسبان هم أصدقاؤنا، ولذلك فإن المشكلة هي بين المغرب وموريتانيا، وليس مع إسبانيا، هذا للتاريخ، الخلاف بين المغرب وموريتانيا هو ما يؤجل الحل، وعلى هذا ينبغي على السكان أن يقرروا.

كيسنجر: هل يعرف هؤلاء السكان المقيمون بالصحراء ما يجري التشاور بشأنه؟

بومدين: بعض السكان هم مغاربة، والبعض الآخر من موريتانيا، والبعض من البدو الرحل، هناك بعض منهم من الجزائر، ولكن هذا لا يعطي أي حقوق للجزائر.

كيسنجر: هل يمكن تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا؟
بومدين: أعتقد أن الموقف يتطور تدريجيا في اتجاه التقسيم.

كيسنجر: نحن لن نتخذ أي موقف.

بومدين: يقولون إنها (قضية الصحراء) سوف تذهب إلى المحكمة الدولية، بلاهاي، ونقول نحن ليس لدينا أي اعتراض.

 

 عندما قال كيسنجر إن موقف أمريكا من الصحراء هو الحياد

  

مقتطف من وثيقة أمريكية تتضمن نص الحوار بين هنري كيسنجر وهواري بومدين

مقتطف من وثيقة أمريكية تتضمن نص الحوار بين هنري كيسنجر وهواري بومدين

    كانت الصحف الأمريكية لما علمت بقرب زيارة كيسنجر إلى إسبانيا (نظمت في 9 أكتوبر 2014)، قد شنت حملة على إسبانيا، وتطرقت بعضها إلى أخبار مفادها أن أمريكا ستدعم المغرب في هذه القضية. ولقد أدخلت هذه الأخبار المسؤولين الإسبان في دوامة من الغضب والقلق، وكانت جريدة “الواشنطن البوست” شبه الرسمية قد أوردت خبرا مفاده أن أمريكا ستدعم تفاهما مباشرا بين المغرب وإسبانيا من أجل تحويل الصحراء إلى المغرب. ومعنى هذا إقصاء الجزائر من هذه القضية، واستبعاد مدل للحل الذي ظلت إسبانيا تدافع عنه وهو مبدأ تقرير المصير.

وهذا جزء من الحوار الذي بَيَّن قلق الإسبان من موقف أمريكا الجديد، حيث أخذ الكلمة كورثينا وزير خارجية إسبانيا أولان ودخل في الموضوع بدون مقدمات.

كورتينا: نحن لم نتحدث عن هذا الموضوع في واشنطن (أي موضع موقف أمريكا من قضية الصحراء)، وقد أعربت لنا أنه لكم علاقات جيدة مع كل من الرباط ومدريد، لذلك كنت لتحافظ على موقف محايد من هذه القضية. فنحن لم نفهم موقفكم ولقد فوجئنا جدا عندما نقرأ في صحيفة “الواشنطن بوسط” أن الولايات المتحدة كانت تؤيد التفاهم المباشر بين المغرب وإسبانيا من أجل تحويل الصحراء إلى المغرب.

كيسنجر أنا لم أقرأ هذا الخبر، وهذا مجرد هراء.

كورتينا: كان ذلك يوم أمس (يعني تاريخ نشر الخبر في جريدة الواشنطن بوسط).

كيسنجر: (وبتعبير يحمل الكثير من الاستهزاء)،أنا لم أقرأ صحيفة واشنطن بوست، باستثناء قسم الرياضة وقسم الأزياء، الآن بما أنني متزوج يمكنني قراءة قسم الأزياء دون خوف.

 

وأحيطكم علما أن سياستنا (في قضية الصحراء) هو ما قلت لك، ما هي سياسة نائب رئيس البعثة هناك (يعني البعثة الأمريكية إلى الصحراء). في الحقيقة أنا لا أعلم ما الذي فعله نائب رئيس البعثة هناك (هذا بخصوص تسريبه الخبر للصحافة الأمريكية حول موقف أمريكا من هذه القضية). ولكنه في المرة القادمة سيفعل ذلك بعد أخذ مسافة أبعد، وإذا كان لدينا شيء لنخبركم به عن قضية الصحراء فسأخبركم به مباشرة، (يعني أن أي شيء بشأن موقف أمريكا بشأن هذه القضية سيكون عن طريق تصريح وزير الخارجية وليس أحدا آخر).

كان كيسنجر فنان المراوغة في عالم السياسة بامتياز وكان يحاول دائما اللعب على الكلمات وإعطاء انطباع بعدم أهمية كثير من القضايا الهامة بالنسبة لأمريكا، ولكي يطمئن المسؤولين الإسبان بأنه ليس لأمريكا أطماع في الصحراء، وأنها لن تدعم المغرب، فقد بين لهم بأنه لا يتوقع أي مستقبل لهذه المنطقة، وهذا ما قاله لمحاوره الإسباني.

 

كيسنجر: ما قلته لك هو سياستنا (يعني موقف الحياد) وليس لدينا مصلحة خاصة حول مستقبل الصحراء، وكما قلت لك سرا إنه، وكما في العلوم السياسية لا يبدو مستقبل الصحراء عظيم، وأشعر أنها بنفس طريقة غينيا بيساو أو فولتا العليا (كيانات استقلت عن أوطانها وأصبحت تعيش عالة على الأمم المتحدة وتعيش على المساعدات الانسانية). كما أن العالم يمكن أن يعيش دون صحراء، ولا يمكن أن تكون من الدول التي تقدم مساهمة كبيرة للعالم في حال استقلالها.

كورتينا: على أي حال لا ينبغي أن تستخدم ضد الآخرين (يعني عدم استخدام قضية الصحراء ضد إسبانيا).

كيسنجر: (وبروح دعابة ممزوجة بنظرة من الاستهزاء) كانت هناك مرحلة في حياتي لم أكن أعرف فيها أين توجد الصحراء الإسبانية، وقد كنت سعيدا كما أنا اليوم.

كورتينا: قبل أن يتم اكتشاف الفوسفاط.

كيسنجر: إذا كنتم تريدون فعل شيء مع ملك المغرب فهذا جيد، ولكن لا يجب أن يكون مصدر قلق أمريكي.

كورتينا: ما وضحته لي هو أكثر من كافٍ (يعني توضيح موقف أمريكا من قضية الصحراء وهو الحياد)، ولكن أريد أن أوضح أننا سوف نبدل جهدا للتوصل إلى اتفاق مع المغرب، ولكن ليس أن نقدم من جانبنا مائة في المائة، فنحن مستعدون أن نفعل شيئا.

كيسنجر: مثل ماذا؟

كورتينا: هذه طريقة عامة في الحديث علينا أن نجلس حول الطاولة والتحدث عن ذلك.

كيسنجر: بعد التفاوض معكم، أنا لا أعتقد أنك تعطي الأشياء بسرعة هذا هو انطباعي.

كورثينا: كما تعلمون أنا أحب روح الدعابة التي تتمتعون بها (وكان هناك تلميح من الوزير الإسباني لكيسنجر حول سبب زيارته إلى المغرب).

كيسنجر: أولا، السبب أنا ذاهب إلى الرباط بسبب الجزائر ونظرا لأن القمة العربية ستعقد في الرباط، لم أكن أعتقد أن أذهب إلى الجزائر دون الذهاب إلى الرباط. وثانيا، أنا ذاهب إلى الجزائر لأننا في حاجة إلى بومدين لمساعدتنا في قضية سوريا والقوميين العرب، ولذلك علينا أن لا نفعل شيئا مع إسبانيا. وإذا كنا نريد أن نغير سياستنا بشأن القضية، وهو مستحيل فسأخبرك بذلك بنفسي، أؤكد لن نغير سياستنا بشأن قضية الصحراء الغربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!