في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف | هل انتهى عهد رجال ثقة الملك محمد السادس ؟

الرباط – سعيد الريحاني

       بغض النظر عن حكاية “الدولة العميقة” أو “الدولة داخل الدولة” أو “الدولة الهشة”(..)، فإن الحديث عن دولة قوية، بغض النظر عن النوع، يفترض وجود أناس يسهرون على هيبتها دون أن تكون لهم تلك الرغبة في الظهور، التي تميز عمل السياسيين(..)، فالحفاظ على صورة الملكية مثلا يقتضي الحرص على عدم تسريب صور مسيئة لها، وهذا الأمر كان يطبق حرفيا في عهد الحسن الثاني(..)، ولكن ذلك لم يحصل مؤخرا بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان، فقد “لاحظ عدد من المشاهدين المغاربة، إصدار الكرسي الذي كان يجلس عليه الملك محمد السادس، وهو يلقي خطابه يوم الجمعة.. لصوت يشبه الأطيط أو الصرير، بسبب عدم تثبيته بشكل جيد.. وعبر مشاهدون عن انزعاجهم من الصوت الذي كان يحدثه كرسي الملك، والذي كان مسموعا بشكل واضح بالنسبة لمن تابع الخطاب الملكي عبر التلفزة (موقع هسبريس، السبت 11 أكتوبر 2014).

خبر من هذا النوع يدفع إلى طرح عدة تساؤلات، خاصة إذا عرفنا أن التجهيزات المستعملة في الأنشطة الملكية، تسهر عليها خلية خاصة من الديوان الملكي(..)، هل هو الإهمال؟ كيف يعقل أن يسمح الساهرون على صيانة صورة الملك، المؤدى لهم طبعا(..)، باختلالات قد تشوش على مضمون الخطاب الملكي مهما كان مضمونه، “لقد أصبح هناك من يتمادى في الاستهتار مستغلا طيبوبة الملك محمد السادس”، حسب تعبير أحد المعلقين على الخبر في موقع “هسبريس”، صاحب الخبر.

لم تكن قضية الكرسي هي الوحيدة التي استأثرت باهتمام الصحافة، بل إن قول الملك: “اللهم كثر حسادنا” جعلت عدة وسائل إعلام تقول إنه استند على حديث “لا أصل له”، ولكم أن تتصوروا الفرق في التعاطي مع الخطب الملكية بين الأمس واليوم، فحديث الملك عن الحسد، قريب من حيث الصيغة إلى ما ورد في خطاب الحسن الثاني بمناسبة افتتاح أشغال البرلمان سنة 1978، ولربما كان حريا بالمهتمين، والحالة هاته، أن يتساءلوا: هل انبعث رجل من زمن الحسن الثاني ليكتب خطابات الملك محمد السادس؟ أم أنها بداية العودة لأسلوب الملك الراحل في الحكم؟ والذي كان يعتمد بالأساس على بعض الرجال الثقاة؛ منهم الظاهر ومنهم الخفي(..).

يمكن القول إن للملكية طريقتها في تدبير الحكم من زمن لآخر، فقد كان يتم الاعتماد على “النخب القروية” للدفاع عن العرش، فـ”غداة استقلال المغرب، كانت النخب القروية توجد في وضعية مزدوجة، وكانت مشاركتها الطويلة الأمد إلى جانب إدارة الحماية قد أفقدتها سمعتها، ولكن، إذا كانت السلطة السياسية لهذه النخب قد تعرضت للتدمير على أيدي الوطنيين، فإن سلطتها الاقتصادية قد ظلت سليمة معافاة، وسريعا ما أدرك النظام الملكي، في وقت مبكر جدا بأنه ومن خلال سعيه للاستناد على هذه النخب سيتمكن من أن يتحرر من قبضة الحركة الوطنية، وهكذا فمن خلال تثبيت هذه النخب، فإن النظام جعل نفسه في مأمن من مخاطر البلبلة التي يمكن أن تتأتى من خلال مبادرة ما من جهة الطبقات الوسطى الحضرية”، (مقتطف من كتاب الباحث الفرنسي ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش).

يمكن تصنيف ما تحدث عنه الباحث “ريمي لوفو” كتراث سياسي مغربي(..)، لأن وصفة الحكم تغيرت بالتأكيد، ولكن ذلك لم يمنع من القول بأن تحركات الدولة الجديدة يطبعها الارتباك. في هذا الصدد يقول محمد معزوز، أستاذ الأنتروبولوجيا السياسية: “إن سهو الدولة الجديدة، عن بناء قلاع فكرية صارمة في تدبير شؤونها وسياساتها أوقعها باطراد في الارتباك وإضاعة الطريق ما بين الرجوع إلى الوراء أو التوقف أو التقدم إلى الأمام. إنها تحيى بالتكرار ثم بالعادة، أو بما يعبر عنه بالاقتيات من مخزون منظوماتها التقليدية بعمق مخزني أصبح اليوم يتدثر بكثير من المرونة وقابلية التكيف، لكن هذا المخزون يخطو اليوم، اضطرارا في اتجاه الشح والنضوب، ومن ثمة الأفول، ما لم تراجع الدولة منزلتها بنقد ذاتها وبقبولها لنقد الآخر”.

إن أخطر ما ينبه إليه الباحث الأكاديمي “محمد معزوز”، ليس هو “تذبذب” الدولة في اختياراتها، بل اعتمادها على من يسميهم “الوسطاء السياسيون”، حيث يقول: “لقد تلازم هذا الخطأ بخطإ أفدح منه، وهو اجتهاد الدولة الجديدة في دعم صعود فئة من الماكرين السياسيين الذين يحسنون بلغة بروديل الالتفاف على نتف الأفكار والمواقف، ويتفنون في تصريفها ويدعون، إزاء ذلك امتلاك ناصية الفكر وقواعد النظر في السياسة وشؤونها.. إن صعود هذه الفئة حدث بتدرج من إطارات مختلفة أهمها إطار الأحزاب في بلادنا”.

تبعا لذلك تبقى أهم مشكلة لدى الدولة اليوم هي اعتمادها على مجموعة من الوسطاء الذين يسمون “الماكرين السياسيين”، لكن هل توجد في العالم دولة لا تعتمد على الوسطاء؟ الجواب: “قد يبدو بروز هذه الشريحة من الوسطاء مسألة عادية، حاضرة في كثير من الأنظمة السياسية، ولكن المسألة غير ذلك، بوصفها أولا: منعدمة في الأنظمة الديمقراطية والشبيهة بالديمقراطية، وبكونها ثانيا: قادرة على الضرب في العمق منزلة الدولة ومشاريعها السياسية، لأن دور الوساطة الذي تلعبه ما بين الدولة والمجتمع دور غير مؤسساتي، يقوم على الفردانية المتشبعة بالتضليل واستغلال قرابتها من صناع القرار للتمويه والانتفاع الذاتي”، (المصدر نفسه).

إن مجرد إطلالة على ما وقع في البرلمان، والذي يضم بالتأكيد “نماذج للمكر السياسي”، مباشرة بعد انتهاء الخطاب الملكي يؤكد على أن هذه المؤسسة مثلا، لم تعد تساهم في صيانة هيبة الدولة، بل تضر بها، ما معنى أن تتناقل جل وسائل الإعلام صورا للتشابك بالأيدي بين البرلماني والنقابي ورئيس حزب الاستقلال وعمدة فاس حميد شباط وحوارييه(..) مع البرلماني الفاسي عزيز اللبار، ألم يقل الخطاب الملكي وهو يخاطب معشر السياسيين: “إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة.. إن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية. 
فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي كسب ثقة الناخبين، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى.. عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل”، (مقتطف من خطاب الملك).

إن الضربة الكبرى للخطاب الملكي، والحالة هاته، حصلت داخل قبة البرلمان، وربما كان الأمر مرشحا لتطورات أكبر، طالما أن القوة الأولى داخل هذه المؤسسة هي “تجار المخدرات”، ألم يقل البرلماني الاتحادي عبد الهادي خيرات ذات يوم ولم يحاسبه أحد: “إن ثلتي البرلمانيين.. تجار مخدرات”، مباشرة على شاشة التلفزيون (القناة الثانية، شتنبر 2009)، ألم يقل في تصريح آخر: “إن هناك مجموعة كبيرة من محترفي العشبة الخضراء انتهى بهم المطاف إلى احتلال مؤسسة تكتسي حساسية بالغة في المغرب، ويتعلق الأمر بمجلسي النواب والمستشارين.. “، (جريدة المساء، 3 أكتوبر 2011).

ولعله حري بالدولة أن تطلق اليوم حملة تطهيرية من الفساد، ولم لا البداية من الوزراء والوزراء السابقين؟ لماذا لا يقوم رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، مخرج أسطوانة “محاربة الفساد” بنفس العمل الذي قام به ذات يوم الوزير الأول أحمد العراقي الذي تأكد بعد فترة هينة من جلوسه على كرسي الوزارة الأولى (7 أكتوبر 1969)، بأن مجموعة من وزرائه كانوا مجرد عصابة من المرتشين، فذهب عند الحسن الثاني ليخبره بالأمر، رغم أنه لم يكن يملك دليلا ملموسا، فانطلقت فصول “محاكمة الوزراء بتهمة الرشوة” وهي أشهر قضية سنة 1991، افتضح أمرها بعد القبض على أحد “السماسرة” الكبار(..).

ألم توجه الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، اتهامات للوزيرة السابقة ياسمينة بادو بشراء “شقق” في باريس، عقب صفقة غامضة للقاحات أنفلونزا الخنازير(..)، ألا تستوجب فداحة أرقام الاختلالات تحركا عاجلا لإنقاذ البلاد، ألم تنطلق الحكومة الحالية وفي يدها عشرات تقارير المجلس الأعلى للحسابات تتضمن اختلالات بالملايير تداولتها الصحافة على نطاق واسع: 115 مليارا قيمة الاختلالات بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، 8 ملايير قيمة الاختلالات ببنك القرض العقاري والسياحي، مجازر الدار البيضاء (49 مليار سنتيم)، كوماناف (40 مليار سنتيم)، المطاعم المدرسية (8.5 ملايير سنتيم)، مكتب التكوين المهني (7 ملايير سنتيم)..

“المال السايب كيعلم السرقة” هكذا يتحدث أصحاب المثل المغربي، لكن استفحال الظاهرة في الحالة المغربية يقتضي الانتباه إلى الهزات التي عرفها قطاع المال بالمغرب على أعلى مستوياته، وأنظروا لهذه المفاجأة غير المتوقعة بعد أن تحول بعض رجال “الثقة” في عهد الملك محمد السادس إلى “مسجونين” أو مرشحين لدخول السجن.. كما حصل مع كريم الزاز المدير السابق لشركة “ونا”، وهو الولد المدلل في أطراف الكتابة الخاصة الملكية (أنظر الأسبوع، عدد: 13 مارس 2014 أو الموقع الإلكتروني للجريدة)، هذا الأخير بعدما كان يلعب في الملايير أصبح يقبع في السجن بعد أن تم الزج به في السجن، بينما كان الملك محمد السادس في إفريقيا(..) بتهمة “قرصنة المكالمات الدولية وتحويلها إلى مكالمات محلية للاستفادة من أرباح بالعملة الصعبة..” قدرتها الصحافة بالملايير(..)، قبل أن تتساءل جريدة “الأسبوع” في عددها الصادر بتاريخ 27 مارس 2014: “هل هناك جوانب سياسية في محاكمة الزاز؟”.

ماذا حصل حتى انتقل كريم الزاز من تسلق أدراج الثقة إلى تسلق أدراج السجن(..) لا أحد يعرف الجواب بالضبط حتى الآن في انتظار المحاكمة، لكن الأكيد أن تحركات من هذا النوع في المحيط الملكي، تعد مؤشرا على إعادة ترتيب الأوراق، لا سيما بعد الحديث الأخير عن سقوط إمبراطور الهولدينغ الملكي، حسن بوهمو، وتعويضه بالشاب الصاعد حسن الورياغلي دون مقدمات(..)، لتقول وسائل الإعلام إن ما أدى إلى سقطته المدوية هو: “سوء الفهم، الذي تسبب فيه المقال الذي نشرته مجلة «لوبوان» الفرنسية تحت عنوان «محمد السادس الملك الموفر» والذي أدى إلى خرجة إعلامية نادرة للملك، رد فيها على الصحافة الفرنسية، ونفى فيها صحة ما ورد في مقال «لوبوان» من معطيات.. أفاضت الكأس، وعجلت بمغادرة بوهمو سفينة الشركة الوطنية للاستثمار، خاصة أن الرجل سقط سابقا في مجموعة من الهفوات التي كانت بعض الجهات تترصدها لاستغلالها ضده (جريدة المساء، عدد: 27 شتنبر 2014).

ولم يعد عصيا على المتتبعين ملاحظة التغييرات الكبرى في محيط الثقة الملكية، بعد صدور أخبار تؤكد منع المدير العام لأكبر إمبراطورية مالية في المغرب من مغادرة التراب الوطني، أنس العلمي، هذا الأخير كان يهم مثل أيها الناس ذاهبا إلى السعودية من أجل أداء مناسك الحج، قبل أن يخبره البوليس بأنه ممنوع من مغادرة التراب الوطني(..)، ولعله شرب من نفس الكأس الذي شرب منه سلفه مصطفى الباكوري، الذي لم يصدق أدناه وهو يسمع رجل “السيكريتي” يقول له: ممنوع الدخول، الأوامر تقول ذلك(..).

لا يوجد حتى الآن أي تفسير للهزات الاقتصادية التي يشهدها المحيط المالي للمملكة(..) لأن “الركود الاقتصادي لا يهدد الاستقرار ولا يكتسي خطورة إلا إذا كانت هناك مجموعة من الطامحين غير الراضين الذين يستعملون الوضعية الاقتصادية سلاحا سياسيا للالتحاق بالطبقة الحاكمة، وطرد النخب الحالية..”، (مقتطف من كتاب “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية” للكاتب الأمريكي جون واتربوري).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!