في الأكشاك هذا الأسبوع
الملك الحسن الثاني: "كلما حاولت الانفتاح على الإصلاح فوجئت بمؤامرة"

الحـقــيقة الضــــائعة | “التموليك” ليس بالأمر الهين

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

       الملكية، ليست شيئا جديدا على المغرب، لذلك لا يستغرب الكثير من المعلقين صمود المغرب في وجه ما يعرفه العالم العربي والإسلامي من فوضى، ويقول بعضهم “لأن المغرب ملكية”.

ولكن الملوك الذين كانوا يسمون سلاطين، عانوا في الماضي الكثير من المتاعب، حتى يبقوا ملوكا، فليس التموليك بالأمر الهين، حتى يبقوا سلاطين، وما توارثوا هذا العرش، إلا بثمن غال جدا، رغم ضعف الرأي العام القديم، وهو ضعف في التعبير، وإن كان في الواقع أقوى من الرأي العام المغربي الحالي(…)، نقرأ مثلا، للكاتب البريطاني هاريس، وقد عاش طويلا في المغرب، وكانت أبواب القصر مفتوحة له، خلافا لما نسمعه هذه الأيام، من تذمر الصحفيين الأجانب، من معاملات الأجهزة التي تقول أنها مأمورة من طرف الملك.

هاريس، وكثيرا ما كتب أيام السلطان مولاي عبد العزيز وكان شاهدا على سقوطه، كتب مرة أسباب هذا السقوط وقال: ((كنا نرى حشود العاطلين والفقراء، متصافين وقد أسندوا ظهورهم لجدران الأزقة الضيقة، كي تمر البغال والحمير المحملة بشحنات الرخام والزليج لبناء قصور الأثرياء، ولكن جماهير البؤساء، كانت تنفس من ضيقها بترديد عبارة: “سيدنا لا علم له”، وعندما زادت الأزمة استفحالا غيروا المقولة، وأصبحوا يرددون: “إن سيدنا لا ينتبه لما يجري”، وأخيرا وعندما بلغ السيل الزبى، ولم يفعل سيدنا شيئا، أصبح المتذمرون يقولون “ليس هناك سلطان”)) (زمن السلاطين. هاريس).

لسنا ندري ماذا تقوله الجماهير المغربية في سرها هذه الأيام، وهي ترى تضخم الفوارق الطبقية، بين الأغنياء والفقراء، مأجورون يأخذون سبعمائة درهم شهريا، كما يقول بعض المسؤولين، ومحظوظون يأخذون خمسة وعشرين مليونا شهريا، ووزير يصرف مائتي مليون من أجل حفل شاي، وآخر ينتحر لأنه لم يجد قوت يومه.

صورة طبق الأصل لما كتبه المستشار الفرنسي “سوربيي” عن واقع المغرب الفقير البئيس كما وجده الفرنسيون يوم دخولهم حيث يمكن للمغربي أن يقتل أخاه من أجل خبزة، وإذا بالفوارق الطبقية في أوجها كما يصفها هذا المستشار، وانظروا الفرق ما بين الخبزة، وما يكسبه الباشا الحاج التهامي الكلاوي سنة 1924 ((إنه يرتكب ما يمكن أن يصنف بأنه حماقات(…) لقد اشترى باثني مليون وخمسمائة ألف فرنك، ممتلكات “بيريكارديس” في طنجة، ولم يدفع من الثمن إلا الربع، واشترى 33 بيتا في طنجة، وأنتم تعرفون ممتلكاته في مراكش، حقا إنه يقدم لنا خدمات جلى)) (مذكرات بيير دوسوربيي).

فأي فرق بين الماضي والحاضر، ذلك الماضي الذي كان المغاربة يقولون: إن سيدنا لا علم له، وهم الذين اليوم، لا يتركون فرصة تمر دون أن يعبروا عن تشبثهم بالملكية، كنظام ضامن للاستقرار والاستمرار، وهم مع ذلك، يفجعون بأنهم لازالوا كل لحظة يترحمون على الملك الحسن الثاني، الذي قال عن الزبانية المحيطة به: “أنا صاحب المظل ولكن أنا أمشي في الشمس وهم يمشون في الظل”.

وأخطر ما في الموضوع، أن الدنيا تبدلت وتغيرت، وأصبحت الدول حتى العظمى منها، تطلب الحساب ليلا ونهارا عن تصرفات المسؤولين عنها، ونحن لا نعرف من هم المسؤولين عنا، الحكومة طبعا ليست مسؤولة، وها هو رئيسها بن كيران، قد أصبح كاللوحة الأثرية المعلقة بباب دار المخزن، لأن الأمور تسير كما يريدها أولئك الذين يعيشون في الظل، ظل المظل، صامتين لا يتكلمون، فأحرى أن يصرحون. زيازين لا يد لهم في تعليق، ولا في تحليل ولا رأي ولا هم يحزنون.. فهم كالعبيد في الأيام الأولى للدولة العلوية، وقد كان السلطان مولاي إسماعيل، يفضل التعامل معهم، فأصبح العبيد هم الحاكمون، رغم عجزهم، قادة للجيش رغم بعدهم عن الامتثال، إلى أن مات الملك القوي مولاي إسماعيل، فاستولوا على الحكم بعده، ونصبوا ولده مولاي أحمد الذهبي سلطانا محل أبيه ((فأعطوا العلماء والأشراف نصيبهم(…) ليكتشف السلطان مولاي أحمد نفسه، أنهم إنما أقاموه صورة لا يدبر معهم شيئا، ولا يقدم ولا يؤخر، وكلما أساؤوا التصرف نسبوا ذلك للسلطان)) (الضعيف).

وجاء الاستعمار الفرنسي للمغرب، نتيجة هذه الفوضى وهذا العجز السلطاني(…)، الذي استفحل أيام مولاي عبد العزيز، ومولاي حفيظ، بعد موت الملك العظيم الحسن الأول، لتنهار الأوضاع ويهبط المستوى، إلى الدرك الذي أدركه السلطان مولاي يوسف، الذي اكتفى الفرنسيون بأن كتبوا عنه: ((كنا نحرص على أن يخرج السلطان مولاي يوسف، من قصره مرة في الأسبوع ليتعرف على الأمور، فقد كان الخروج ممنوعا عليه)) (بيير دوسوربيي. كتاب ليوطي).

لقد وصل السلطان إلى هذا المستوى من الإهانة كنتيجة حتمية لمخطط، تآمر على المغرب في ترسيمه مجموعة من ذوي المصالح المغربية، وخبراء من أقطاب الاستعمار الفرنسيين، وزراء مغاربة كوزير الخارجية مكوار، الذي كان يحمل الجنسية الإنجليزية في عهد السلطان مولاي حفيظ، بل إن ((الصحفي الإنجليزي هاريس كان يكتب ليحطم معنوية السلطان – ولاحظوا التشابه مع حاضرنا – ليظهر أن دسائس هذا الصحفي كانت باتفاق مع صديق السلطان المنبهي)) (الحركة الحفيظية. الخديمي).

وهو وضع استمر إلى عهد الحسن الثاني، الذي كان مضطرا في نهايات عمره أن يكتب ((كلما أطلقت مبادرة للتقارب مع الانفتاح السياسي، أجد نفسي أمام مؤامرة مدبرة)) (مذكرات إيريك لوران).

وتصدر هذه الأيام، طبعة جديدة لكتاب صدر سنة 1926، كتبه الباحث الفرنسي “دوني” يكشف فيها الكاتب، خبايا هذه الحالة المزرية لتسيير شؤون المغرب قبل الحماية وبعدها، ليفهم الفاهم، أن التفكك الذي نعيشه اليوم، نتيجة استمرار عقلية مخزنية غرسها محتل المغرب المارشال ليوطي، غارس بذرة النظام المخزني(…)، ليكون الفلسفة المناهضة لكل تقدم أخلاقي، أو إصلاحي، في إطار كان قديما، هو الإطار الحالي المستمر، ويقول الكاتب الذي عايش عملية الغرس: ((إن المارشال ليوطي هو الذي كان يسمي إدارته “القصر” ويسمونه هو “الأمير”، هو الذي وضع في مدينة الرباط، الفكر الإداري المدبر لشؤون المغرب، وكان ليوطي يسميها “المدينة الدماغ” ميزانية الإقامة العامة 200 مليون، وبنى قصره بـ 200 مليون، وجهزه بتسعين مليون، وميزانية سياراته عشرة مليون و250 ألف فرنك، و400 مليون للصرف على متطلبات سياراته، وميزانية أكل خيوله 53 مليونا سنويا، وله مائة وعشرون كسوة عسكرية ومائة وأربعون حذاء)) (مذكرة حول الميزانية كتبها فرانسوا بيرجي).

صانع الرباط، كدماغ للمغرب(…)، هو المارشال ليوطي ((البورجوازي المترفع الذي يحتقر الضعفاء، والعمال، والفلاحين، بل يحتقر حتى الناس المتواضعي الأزياء، وكان يحب الشبان الصغار، فلقد كانت ميوله سهلة(…) وعندما يقترحون عليه شخصا لمنصب هام يسألهم هل هو جميل الوجه، وكان مرتبطا بالأبناك(…) استقدم أحدها لتفتح خمسين فرعا في المغرب، لقد كان يتصور نفسه “نابليون في مملكة العرب”، لذلك فهو مؤسس ما يسمى الكذبة المغربية)) (La Sanglante Aventure Marocaine. A. V. DUNET).

بل إن المارشال ليوطي، هو الذي استحدث في المغرب، أسلوب تزوير الانتخابات، وهو الذي كان لا يسمي في الوزارات إلا الذين يرضى عليهم ليمسكوا مقاليد الحكم تنفيذا لأوامره.

((في كل تعديل لمنصب المقيم العام، لإبعاده من الحكم، كان ليوطي يلجأ إلى التموقع في وضعية المسؤول الذي لا يمكن تغييره، وفي انتخابات 11 مايو 1924، سجل الرقم القياسي في التناور، مرشحا للفوز كل أصدقائه فهو من أجل ذلك يستعمل الوسائل الكبرى)) (نفس المصدر).

حتى التلاعب بالصحف، وتأسيس الصحف التي تكون رهن إشارة النظام، والتي تنوه باليوطي وحده، كان من اختصاص هذا الجبار، الذي وضع أسسا أيام حكمه لتجد أثارها لازالت ماثلة في القرن الواحد والعشرين. تصوروا أن الجريدة شبه الرسمية النافذة التي كانت في ذلك الزمن، تسمى “لاديبيش” اختار لإدارتها الصحفي “جاك حسن” الذي كان ينقل للرأي العام، أفكار الحاكم الأوحد للمغرب.

فمن مهد للمارشال ليوطي، هذه الوضعية الاستعمارية التي استغلها لتخريب المغرب، وطبع إدارته ومخزنه بهذا الطابع الذي لازال ينخر أدمغة الكثيرين ممن يحكمون اليوم(…) لن نذهب بعيدا لنستكنه غور هذه الظروف التي مهدت لأن يقيم ليوطي أمجاده في المغرب.

إنهم الوزراء المغاربة الذين بعثهم السلطان مولاي حفيظ لفرنسا ليفاوضوها في حل آخر غير الاحتلال والحماية، فنجد أن أولئك الذين بعثهم السلطان مولاي حفيظ لفرنسا، اشبه ما تكون تصرفاتهم، بتصرفات العديدين ممن يقومون بنفس المهام، في عصرنا الحاضر، وتعمقوا في التشابه.

((كتبت جريدة “لوطان” الفرنسية (عدد 14 فبراير 1910) أن المقري وعبد الله الفاسي قدما لفرنسا لتحسين العلاقات، وجعل التسهيلات بين المغرب وفرنسا، غير أنهما يطوفان مع من معهما(…) على شوارع باريس، ويتفرجون في الطياطرويات ومواضع اللعب، ويتبخترون في ملابسهم ويزينون حوائجهم)) (الحركة الحفيظية. د. علال الخديمي).

ما أشبه الماضي بالحاضر، ولو بعد مائة سنة، ولكن الأمل يزداد ضعفا في إمكانية التخلص من هذا الاختيار المخزني الذي ها أنتم ترون، كيف زرع المارشال الفرنسي، جذوره في أركان الرباط، التي سماها: دماغ المغرب.

تعليق واحد

  1. الواقع اني اذ انوه بكتاباتكم المميزة واقرأها و أعيد قراأتها اتمني ان تجمع في كتاب مبوب حسب الفترات السياسية
    تدخلي حول نقطتين
    1.اتفق معك الى حد التماهي في كون ليوطي صاحب فكر يتقاطع مع برجوازيو اليوم المتحكمين من خلال وسائل الانتاج في نبض الحياة اليومية للمواطن ,اذ يوجدون الاسباب و المسببات لضمان السير العادي حسب تعبيرهم
    2._اذا كان هذا الفكر و الخطاب الذي يؤطره و يوجهه قد استهلك تماما فلماذا تعود الملكية لاجتراره في كل مناسبة هل الملكية ترى في نفسها ما رأه ليوطي في نفسه .
    _الا ترى ريمي لوفو صادقا اذ قال ان الملكية تعلمت في مدرسة الاستعمار.
    (تحياتي استاذي القدير و اشد على يديك بحرارة )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!