في الأكشاك هذا الأسبوع

لماذا ظلت إمكانية الحرب بين المغرب والجزائر مستبعدة منذ اتفاق وجدة ؟

       خرج “أحمد قذاف الدم” أحد أهم أعوان الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في جريدة “الشرق الأوسط” بسلسلة تصريحات، وكان يتحدث عن العلاقات الليبية مع الدول، وقد أفرد حيزا مهما للعلاقات المغربية الليبية، وتحدث عن زيارة الزعيم الليبي للمغرب سنة 1983.

وقد بدت لي ملاحظتين حول تصريحات الرجل، أولا: أنه كان يتحدث عن العلاقات الليبية المغربية، وعن تطبيع العلاقات بين البلدين، وكأن ما حرك ليبيا هو تطور العلاقات المغربية الجزائرية، والأخوة العربية. ولكن من خلال الأرشيف الأمريكي يتبين العكس حيث إن ليبيا سعت إلى بعث العلاقات مع الرباط من جديد بسبب العزلة الدولية التي وقعت فيها ليبيا.

ثانيا: أن الصحافة المغربية والعربية تعاملت مع تصريحات الرجل وكأنها مسلمات، ولم تخضعها للنقد على اعتبار أن الرجل مسؤول سابق رفيع المستوى، بل اعتبر ما صرح به تاريخ لا جدال فيه، والحال أن ما قاله ليس تاريخا، وليست حقائق مجردة.

وسنسعى من خلال هذا المقال وباعتماد وثيقة رسمية صادرة عن البيت الأبيض إلى إبراز كيفية تعامل أمريكا مع هذه المنطقة في المرحلة التي يتحدث عنها الرجل، وكذلك السياسة التي اتبعتها، ولعل أبرزها سعيها إلى اعتماد حل تفاوضي سلمي في قضية الصحراء، وكذلك محاولة تطويق ليبيا وجعلها تستمر في عزلتها الدولية.

 —————–

        صدرت هذه الوثيقة الأمريكية بعد لقاء المعاهدة التاريخية التي وقعت بوجدة سنة 1984 بين بلدان المغرب الكبير. وقد جاء في هذه الوثيقة أن التطورات التي شهدها المغرب الكبير من جراء اتفاقية وجدة تقدم بالنسبة لاهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية فرصا كبيرة، كما أنها تطرح مخاطر ومشاكل أكبر. وإن التحديات الأساسية لاستقرار المنطقة تكمن في العوامل الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهي العوامل التي تعكس التطورات الداخلية والخارجية.

وعلى هذا الأساس حسب الوثيقة، فإنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تولي اهتماما خاصا للتطورات التي عرفها المغرب العربي في الآونة الأخيرة، كما يجب وضع السياسات المحكمة والمناسبة لحماية وتعزيز المصالح الأمريكية.

ويشير التقرير إلى أنه نتيجة لاتفاقات وجدة في غشت 1984، فإن توازن القوى الإقليمية قد يختل، وقد نجح المعمر القذافي من جراء ذلك في تخفيف عزلته الدولية. ويقول التقرير إنه نتيجة لذلك “فإنه سنواصل جهدنا لإقناع الحكومة المغربية على عدم الموافقة على اتحادها مع ليبيا، على أساس مصالحنا في المغرب، ومواصلة التعاون الوثيق مع الرباط في العديد من المجالات الهامة”.

وتشير الوثيقة إلى أن الملك الحسن الثاني أكد بنفسه وطمأن محاوريه الأمريكان على أن الاتفاقية الليبية ليس من شأنها أن ينتج عنها القيام بأنشطة وأعمال تشكل خطرا على المصالح الأمريكية. ويقول التقرير إنه على هذا الأساس على أمريكا الحفاظ على العلاقات الودية مع الرباط.

أما بخصوص الجزائر فإن أصحاب التقرير يروا أنه عل امتداد السنوات الممتدة من أواسط السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات، فقد عملت الجزائر على تعزيز العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا سببين؛ يتمثل الأول في التغيرات الإقليمية التي فرضت على الجزائر تغيير سياستها وربط علاقات مع أمريكا، أما السبب الثاني فيتمثل في عدم رضى الجزائر على الاتحاد السوفياتي. ويرى الأمريكان أنه عليهم أن يسعوا إلى تحسين وضعهم داخل الجزائر على الرغم من أنهم لا يتوقعون أن تتخلى الجزائر عن علاقتها مع موسكو، لأن تخلي الجزائر عن موسكو سوف يجعلها تتصرف بطريقة تقلل من مكانتها غير المنحازة دوليا.

—————-

من أجل إيجاد حل سلمي لقضية الصحراء

 يشير التقرير إلى أن الحرب في الصحراء المغربية تمثل العامل الأهم الذي يسهم في تغيير توازن القوى، وكذلك التوتر بين المغرب والجزائر، ويشير التقرير إلى أن الحل يبقى بعيد المنال، ويبقى المغرب هو المسيطر عسكريا في الصحراء ويستمر في ذلك، ولكن في إطار الاستجابة لاتفاق وجدة فقد زادت الجزائر دعمها المباشر للبوليساريو، وكذلك استعدادها وحشد قواتها على طول الحدود المغربية الجزائرية، ويرى التقرير بأنه رغم كل ما تفعله الجزائر فإن إمكانية الدخول في حرب مباشرة مع المغرب أمرا مستبعدا.

وعلى الرغم من سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد سريع، فيرى التقرير أنه على أمريكا أن تسعى وتستمر في العمل مع المغرب والجزائر وغيرها من الأطراف المعنية للتشجيع على تسوية تفاوضية للحرب في الصحراء. ولإيجاد حل لذلك، فإنه انطلاقا من التقرير ستعمل أمريكا على وضع خارطة طريق على مستوى هذه القضية تقضي بالتالي:

  • الاستمرار في تأييد وبصفة علنية تسوية سياسية لقضية الصحراء الغربية.
  • إذا لزم الأمر استعمال فيتو أمريكي في مجلس الأمن من أجل دعم تسوية تفاوضية لقضية الصحراء فلتفعله أمريكا.
  • إعداد ورقة أو خطة داخلية تمكن أمريكا من تحركات دبلوماسية، يكون هدفها الحد من التوتر المغربي الجزائري، والتركيز بشكل خاص على خيارات تسوية نزاع الصحراء.

——————

السياسة التي ستتبع في المغرب والجزائر

يرى التقرير بأن هناك توافقا بين الوضعية القائمة في المغرب الكبير ومصالح الولايات المتحدة، التي ستواصل السياسات التالية:

فبخصوص المغرب يرى التقرير أنه من دون الضغط علنا على الحسن الثاني لإلغاء المعاهدة الموقعة مع ليبيا، فإن هذا الأخير معجب باستمرار اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، مع تطوير معايير تجعله يحكم على سلوك القذافي، وتذكيره بأنه هو من قال بأن محاولات ترويض القذافي تفشل دائما. والهدف من ذلك هو دفعه لإلغاء معاهدة وجدة التي أعطت للقذافي هامشا للتحرك، كما يجب على الولايات المتحدة عندما تتعامل مع الحكومة المغربية أن تتعامل مع باقي دول للاتحاد بالمثل لجعل اتحاد المغرب الكبير أقل قبولا للقذافي.

وبخصوص الجزائر فيرى التقرير بأنه على أمريكا أن توسع التعاون العسكري معها بناء على المرسوم الرئاسي القاضي بالسماح للوصول إلى المواد والخدمات الدفاعية، وزيادة تمويل التكوين المهني، وذلك بغرض الحد من النفوذ السوفياتي في الجزائر، مع الأخذ بعين الاعتبار العلاقات الأمريكية مع باقي دول المنطقة، والبحث عن سبيل لإيجاد حل تفاوضي للنزاع القائم حول الصحراء.

——————

تنفير المواقف الأمريكية بسبب الربيع العربي

 

الصفحة الأخيرة من الوثيقة الأمريكية حيث تم التطرق فيها لموضوع الفيتو الأمريكي

الصفحة الأخيرة من الوثيقة الأمريكية حيث تم التطرق فيها لموضوع الفيتو الأمريكي

    لقد مرت قضية الصحراء بعد الربيع العربي بمرحلتين: مرحلة أولى جعلت المغرب يرى بأن قضية الصحراء ستنفلت من بين يديه وذلك بعد أن وضعت أمريكا يدها، عليه فبعد تولي الجمهوريين وزارة الخارجية الأمريكية، وُفقت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة في إقناع وزير الخارجية الأمريكي بتقديم مشروع للتصويت عليه بالأمم المتحدة يقضي بتوسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء، وخرج المغرب من هذه القضية التي أدخلته في أزمة خانقة منتصرا، وذلك بعدما لم يمر القرار للتصويت عليه.

أما المرحلة الثانية: فتنطلق مع الزيارة الملكية إلى أمريكا في نونبر 2013 حيث وافق باراك أوباما الرئيس الأمريكي على المساعدة لتمويل مشاريع تنموية بالأقاليم الجنوبية للمغرب، في إطار قانون ميزانية 2014، وهو ما يشكل إشارة قوية من أوباما لتأييد ودعم مشروع الحكم الذاتي لهذه الأقاليم تحت السيادة المغربية.

وبخصوص عواقب هذا القرار على العلاقات الأمريكية الجزائرية، فقد نشرت مجلة “فوربيس” الأمريكية تقريرا في يناير 2014 يعتبر العلاقات الأمريكية المغربية في الوقت الراهن ضرورية للأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط. ونشرت دراسة أخرى عن مركز دراسات الأمن القومي في واشنطن تشير إلى أن المغرب نموذجا للاستقرار في المنطقة، وخلصت إلى أن أمريكا ستكون مضطرة لفرض حلول بشأن النزاعات التي تهدد مصالحها.

ونلاحظ من خلال كل هذه التطورات بأن القضية تخضع لمصالح أمريكا، ومصلحتها الآن تتلخص في من يساعدها في شمال إفريقيا، وقد نجح المغرب إلى حدود الساعة في إقناع أمريكا بأن يكون شريكا لها، وربما كان الثمن غاليا وهو فقدانه فرنسا، ونلاحظ أن الجزائر بدأت تزاحم المغرب في إفريقيا.

فهل ستبقى مصلحتها في المغرب؟ أم أن الجزائر قد تنجح مرة أخرى في سحب البساط من تحت أقدام المغرب، وتنقع أمريكا بأنها يمكن أن تكون شريكا لها في إفريقيا؟

لا يمكن تقديم جواب عن هذه الأسئلة، ولكن علينا أن نأخذ في الحسبان أننا أمام غول لا يعترف إلا بالمصلحة، وعلينا أن لا نفرح كثيرا، فخيبات الآمال المضنية والمحبطة تخرج من الآمال الكبرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!