في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في حديث مع الطيب بن الشيخ

الطيب بن الشيخ.. الوزير الذي بقي في الحكومة بأمر من الحسن الثاني

شخصيات مغربية عرفتها – بقلم. رمزي صوفيا

——————-

التقيت هذا السياسي المحنك الذي ينحدر من الأقاليم الجنوبية المغربية عدة مرات، وفي كل مرة كنت ألمس تعلقه الشديد بقضية الصحراء والأفكار المتطورة التي كان يحملها لاقتراح برامج تنموية هائلة لهذه الأقاليم الغالية على كل مغربي ومغربية..

 

          أعود بعد عطلة الصيف لملاقاة قرائي الكرام وقارئات هذه الزاوية في السلسلة التي لقيت استحسانا ومتابعة كبيرتين. وهي الحوارات الصحفية واللقاءات المباشرة التي كانت لي منذ ما ينيف عن ثلاثين سنة مع شخصيات سياسية وعامة كانت توجد في دائرة صناعة القرار في المغرب خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، وعهد ملك الأوراش الكبرى والديمقراطية الحداثية محمد السادس نصره الله.

وأفتتح هذا الموسم مع اسم كان له وقع خاص في المدار السياسي المغربي لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إنه السيد الطيب بن الشيخ الذي كان وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول مكلفا بالتخطيط والتنمية الجهوية ما بين سنتي 1977 و1979، وحمل نفس المنصب في حكومة سنة 1979 إلى سنة 1981، ثم حمل حقيبة وزير منتدب لدى الوزير الأول مكلف بالتخطيط والتنمية الاقتصادية في الحكومة التي أدارت الشأن العام في المغرب من سنة 1983 إلى سنة 1985، وكان الوزير الوحيد الذي بقي في الحكومة آنذاك بأمر من الراحل الحسن الثاني رغم كونه قد جمد عضويته داخل حزب الأحرار.

وقد التقيت هذا السياسي المحنك الذي ينحدر من الأقاليم الجنوبية المغربية عدة مرات، وفي كل مرة كنت ألمس تعلقه الشديد بقضية الصحراء والأفكار المتطورة التي كان يحملها لاقتراح برامج تنموية هائلة لهذه الأقاليم الغالية على كل مغربي ومغربية. كما كان يعشق الحديث عن الحسن الثاني ويحب أسئلتي التي تتعلق بشخصية ومنجزات هذا الملك العظيم الذي قلما يجود الزمن بمثله. وفي حديث جمعنا ذات يوم، قال لي: “مهما قلت ومهما قال غيري لوسائل الإعلام سواء المكتوبة أو المسموعة والمرئية، فلن أستطيع الإحاطة بالحدث التاريخي الذي ستذكره أجيال وأجيال من مغاربة الغد بلغة الافتخار والاعتزاز ألا وهو حدث المسيرة الخضراء الذي تمكن الملك الحسن الثاني بواسطته من طرد الاستعمار الإسباني من أراضي الصحراء المغربية بدون سلاح ولا مواجهة حربية بل بكتاب الله وبالراية المغربية وبالإيمان القوي بعدالة قضية الصحراء، وتمكنت عبقرية الحسن الثاني من تحريك جيش بدون سلاح لأول مرة في تاريخ البشرية حيث بلغ عدد المتطوعين 350 ألف رجل وامرأة حملهم حب الوطن حملا نحو أراضي مغربية بقوة التاريخ والبيعة الشرعية”. وقلت له: “ولكن بعد نجاح المسيرة الخضراء بكل المقاييس نبعت مؤامرة دنيئة من أعداء الوحدة الترابية المغربية…”، فقاطعني قائلا: “يجب أن نذكُرهم بأسمائهم الحقيقية، إنه معمر القذافي الذي لم يتورع عن تكوين عصابات من المشردين في أدغال إفريقيا ومن المسترزقين الذين ليس لهم دين ولا وطن، حيث جمعهم القذافي وزودهم بالمال والعتاد ليشوشوا على المغرب ويزعجوا مسيرة تنميته لأقاليمه الجنوبية. كما أن الجزائر دخلت خندق المرتزقة أيضا وزودتهم بالمال والعتاد للوقوف في وجه حق المغرب في وحدته الترابية، متناسية أفضال المغرب عليها والمساهمة البطولية التي كانت للجيش المغربي في مقاومة الاستعمار الفرنسي فوق أراضيها، ولولا المساندة والدعم المغربي لها لبقيت مستعمرة فرنسية لحد اليوم، ولكن نكران الجميل من صفات من لا يعرفون الجميل”.

وأقول له:” لقد دخلت ليبيا والجزائر في دوامة قذرة، ولا شك أن التاريخ سيكشف كل مناوراتهما ضد المغرب، فهل يؤثر هذا في سياسة المغرب في أقاليمه الجنوبية؟” فقال لي بنبرة صارمة: “إن سياسة المغرب التنموية في أراضيه الجنوبية لم ولن تتأثر بمناورات تافهة مثل تلك التي يقوم بها البوليساريو ومن يدعمونه. والمغرب ليس في حاجة لإذن من أحد ليشرع في تطوير مناطقه الجنوبية، فالصحراء مغربية. وقد انطلقت مخططات تنميتها ومحو الآثار السلبية للاستعمار من ربوعها الرائعة، وأدعوك يا أخي لزيارة الداخلة والعيون والكويرة والاطلاع على الأوراش التي أطلقها الحسن الثاني فيها، وكيف تغيرت معالمها لتكتسي طابعا معماريا مشرفا ينافس أجمل مدن ومناطق العالم، خاصة وأن الله حباها بشواطئ خلابة وصحاري ساحرة الجمال وطبيعة تسلب الألباب. الصحراء مغربية والمغرب يشتغل على تطويرها لأننا لسنا في حاجة لأخذ الإذن من بلد أو دولة ما لتطوير مناطق من صميم تراب بلدنا”. وأسأله: “بعيدا عن ملف الصحراء المغربية، ما هي برامجك في المغرب ككل في إطار منصبك الوزاري؟”، فأجابني مبتسما: “إنك على اطلاع بكل شيء وتعلم بأن موارد المغرب هي محدودة جدا، فالمغرب هو دولة فلاحية بالدرجة الأولى كما تعتمد موارده على

السياحة لأنه لا يملك ثروة بترولية بل نحن نستورده بتكلفة عالية جدا. وإضافة لكل هذا فالمغرب بلد حديث الاستقلال، وأنت كصحفي تعلم حق العلم بأن الاستعمار عندما يذهب يكون قد ترك آثارا اقتصادية وخيمة بسبب الاستنزاف الاستعماري لخيرات البلد ولمواده الخام. ولكن رغم هذا وذاك فنحن نعمل ونكافح لتشييد مغرب جديد يليق بحمل اسم بوابة إفريقيا على الساحل المتوسطي والأطلسي في نفس الوقت. والمغاربة كما تعلم يحبون وطنهم حتى النخاع ويتميزون بروح التضامن وحسن العشرة والإيمان بالله والعمل بتعاليم الدين الإسلامي من تسامح وتعاون وتكافل”.

وأعود لأسأله: “وماذا عن نشاطك الحزبي المقبل؟” فيقول لي: “أنت تعلم بأنني غادرت صفوف حزب الأحرار ومع ذلك فقد ثبتتني الثقة الملكية المولوية في نفس منصبي الوزاري، مما سيمنحني فرصة خدمة وطني بكل ما في وسعي بعيدا عن الحسابات السياسية. فأنا قبل كل شيء مغربي وحزبي الحالي هو وطني الذي أنا مستعد لمنحه روحي فداء لنمائه نهضته”.

وبعد مدة غادر السيد الطيب بن الشيخ المنصب الوزاري وعاد لصفوف النضال الذي يجري في عروقه، وبقيت آثار عمله ومعاملته الطيبة لموظفيه على كل لسان في وزارة التخطيط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!